السعودية: الإعدامات ووسائل الترهيب تعكس غياب العدالة والاستهتار بأرواح المواطنين

فيما كان العالم يعيش حال الصدمة من هول وبشاعة الجريمة الإرهابية الدموية التي وقعت في سريلانكا في يوم عيد الفصح المجيد 21 نيسان/ابريل 2019 والتي سقط خلالها المئات من الضحايا الأبرياء؛ أعلنت الرياض بعد أقل من 48 ساعة، عن ارتكابها مجزرة دموية بإعدامها 37 شخصا بقطع رؤوسهم بشكل جماعي، معظمهم من فئة الشباب الذين تم اعتقالهم وهم أطفال بسبب المشاركة في التظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها البلاد مع اندلاع الثورات في العالم العربي في 2011 رغم أنهم لم يعتدوا ولم يقتلوا أحدا حسب أقوالهم وتصريحاتهم المصورة والمكتوبة، وكذلك حسب ما جاء في تصريحات ودوريات المنظمات والجمعيات الحقوقية الدولية والأهلية التي أكدت كذب كافة الاعترافات التي انتزعت من المعتقلين تحت وقع وسائل التعذيب المروعة!

مجزرة قتل 37 شخصا زادت من حجم الصدمة والكارثة والقلق في العالم من الجريمة الإرهابية في كولومبو، وقد عبر عدد من المسؤولين في الدول والمنظمات العالمية عن غضبهم واستنكارهم الشديد لعملية الإعدام الجماعية في يوم واحد بشكل رسمي حكومي، ووصفت بأنها وحشية ومرعبة ومثيرة للاشمئزاز والقلق الشديد، وهي دليل مخيف على استهداف سلطات الرياض لأرواح البشر، واستخدام عقوبة الإعدام أداة سياسية لضرب وسحق والنيل من كل معارض ولتصفية الحسابات مع دول إقليمية. لقد حاولت الرياض الاستفادة من أجواء المجزرة الدموية في سريلانكا والغضب العالمي على المجرمين الإرهابيين لتمرير قتلها 37 شخصا باسم الإرهاب، وقد ربط المتابعون المجزرتين بقولهم، إن الذين نفذوا العملية الإجرامية الإرهابية في سريلانكا من المدرسة نفسها وتحمل الفكر التكفيري الدموي نفسه الذي تتبناه السعودية التي نفذت جريمة إعدام أشخاص تم اعتقالهم وقتلهم بعيدا عن محاكم عادلة وشفافة، وبالخصوص أن الضحايا قد أكدوا على براءتهم من التهم، كما أن سيرتهم تثبت أنهم مع الإصلاح والحرية وضد العنف والقتل، وأهاليهم والمؤسسات الحقوقية أكدوا على براءتهم من التهم أيضا، ومفوضية الأمم المتحدة السامية طالبت الرياض بعدم إعدام المتهمين، ومحاكمتهم في محاكم ذات معايير دولية، وهذا لم تفعله السعودية.

ماذا يضرها لو تمت محاكمتهم في محاكم دولية عادلة، ما دامت السلطات لديها الأدلة الكافية ضدهم؟ أكبر عملية إعدام سفك دماء وقطع رقاب العشرات بشكل جماعي من قبل سلطات الرياض، والتي وصفت بالمذبحة الجماعية والمجزرة المروعة والمتخلفة للغاية، قد شهدت اهتماما من قبل وسائل الإعلام الدولية، التي تجد في الشأن السعودي وملف حقوق الإنسان مادة مثيرة جدا للرأي العام العالمي منذ وقوع الجريمة البشعة المتمثلة في قتل الصحافي والإعلامي جمال خاشقجي عبر تقطيعه بالمنشار داخل قنصلية بلاده في تركيا بواسطة فريق استخباراتي سعودي يعمل مع مكتب ولي العهد محمد بن سلمان مباشرة.

تلك الجريمة التي فضحت السلطات السعودية أمام الرأي العالمي، ولم تجد مخرجا بعد فشل كل محاولات الكذب والتزييف للحقائق والتستر على القتلة المجرمين إلا الاعتراف بالجريمة، التي وصفها الرئيس الأمريكي ترامب صديق العائلة الحاكمة في السعودية وأشد المدافعين عنها لأجل ابتزازها “إنها أغبى عملية استخباراتية في التاريخ”. فيما الاستخبارات الأمريكية ومجلس الشيوخ حملا ولي العهد مسؤولية جريمة قتل خاشقجي.

وقد علقت جريدة “واشنطن بوست” حول جريمة الإعدام الجماعي بالقول: “السعودية تقتل 37 شخصا في أكبر عملية إعدام جماعية في السنوات الثلاث الماضية”. وتشير المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان ومقرها برلين، إلى ارتفاع عدد أحكام القتل المنفذة منذ بداية 2019 وحتى يوم 23 نيسان/ابريل إلى 107 إعدامات من بينهم أطفال ونساء ومتظاهرين ونشطاء ومعاق، موضحة ان الرياض قد نفذت 48 حكما بالقتل خلال عام 2018 فيما نفذت 33 حكما خلال العام 2017 ونفذت 86 حكما في 2016 و68 حكما خلال عام 2015. وأكدت المنظمة ابتعاد نظام القضاء في السعودية عن شروط ومبادئ المحاكمات العادلة، مشيرة إلى صدور العديد من النداءات الدولية التي طالبت الحكومة السعودية بإعادة المحاكمات، نتيجة العيوب وعدم استقلال القضاء.

استنكار دولي واستنكرت وشجبت كثير من الدول والجمعيات والمنظمات الحقوقية في العالم تلك العملية الدموية، فالأمم المتحدة وعبر رئيس مفوضية حقوق الإنسان ميشيل باشليت نددت بشدة بجريمة إعدام السعودية 37 شخصا بقطع الرؤوس بسبب المشاركة في مظاهرات ضد الحكومة مشيرة إلى وجود من كانوا دون السن القانونية، على الرغم من المناشدات المتكررة من منظمات حقوق الإنسان والمتعلقة بغياب ضمانات، موضحة أن خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة حذروا الرياض سابقا من تنفيذ الأحكام، لوجود تقصير في العملية القضائية وغياب ضمانات لمحاكم عادلة وانتزاع اعترافات تحت التعذيب. كما انتقدت الممثلة العليا للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيدريكا موغيريني في بيان إعدام 37 شخصا.

أما منظمة “امنستي الدولية” فقد قالت: إن إعدام 37 شخصا في السعودية دليل مخيف على تجاهل السلطات للحياة البشرية، أنه مؤشر مروع على كيفية استخدام عقوبة الإعدام كأداة سياسية لسحق المعارضة. وقد أدانت المملكة المتحدة عملية الإعدام الجماعي بعد مقتل 37 شخصا وملف حقوق الإنسان في السعودية ووصفت عملية الإعدام الجماعية بأنها مثيرة للاشمئزاز وغير مقبولة على الإطلاق في العالم الحديث، فيما رفض وزير الدولة لشؤون أوروبا والأمريكيتين السير آلان دنكان المجاملات الدبلوماسية المعتادة قائلا: “إن عمليات الإعدام الجماعية خطوة متخلفة للغاية نأسف لها وأضاف أن من المؤسف وغير المقبول تماما إعدام قصر وقت القبض عليهم”.

وقد وجد أعضاء مجلس الشيوخ وكذلك مجلس النواب في أمريكا في ارتكاب حكومة الرياض إعدام 37 شخصا مادة مهمة لفتح ملف انتهاك حقوق الإنسان ومقتل خاشقجي، وإعادة العلاقة مع النظام السعودي، ولتصفية الحسابات مع إدارة الرئيس ترامب. فقد صرح السيناتور بيرني ساندر قائلا: “الإعدام الجماعي في السعودية يؤكد مدى أهمية إعادة تعريف علاقتنا بالنظام الاستبدادي في السعودية الذي لا يتوقف عن مواصلة انتهاك حقوق الإنسان”.

فيما عبرت ديان فينستين السيناتورة الديمقراطية عن ولاية كاليفورنيا عن غضبها للجريمة الجماعية قائلة: “إنني منزعجة للغاية من الإعدام الجماعي من بينهم 33 من الأقلية الشيعية في المملكة” وحول حصول تعذيب للمعتقلين للحصول على اعترافات: “إن الاعترافات تم الحصول عليها باستخدام التعذيب”. وعلقت النائبة في مجلس النواب الأمريكي إلهان عمر على المجزرة التي قامت بها السعودية قائلة: “هذا مروع. علينا التوقف عن بيع الأسلحة للسعودية ودعم هذه الوحشية”.

فيما صرحت زميلتها النائبة رشيدة طليب بالقول: “محمد بن سلمان الحاكم الفعلي في السعودية يعذب ويعدم الأطفال باعترافات كاذبة، قد تم قتلهم بسبب المشاركة في احتجاجات”. وبعد أيام من ارتكاب الرياض عملية الإعدام الجماعية صدر عن اللجنة الأمريكية للحريات الدينية وهي لجنة مستقلة عن الحكومة الفدرالية تقرير حول انتهاك الحريات الدينية في العالم، يصنف السعودية بأنها مثيرة للقلق من الدرجة الأولى وان انتهاكات الحريات الدينية فيها ممنهجة ومتواصلة وصادمة، وانه وقعت انتهاكات بالغة الخطورة في السعودية. غياب العدالة يوما بعد يوم تتكشف حقائق حول انتهاك السلطات السعودية لكافة قوانين حقوق الإنسان والمواثيق الدولية والأحكام الشرعية، بارتكابها انتهاكات خطيرة ومروعة باعتقال وتعذيب وقتل وتقطيع من تريد لمجرد أن له رأيا معارضا أو إصلاحيا، كما فعلت مع جمال خاشقجي أو عملية القتل الأخيرة لـ37 شخصا، أغلبهم شبان تم اعتقالهم وهم أطفال بسبب المشاركة في المظاهرات، ورغم حظر القانون الدولي إعدام من يقبض عليه وعمره أقل من 18 عاما، وأوراق المرافعة التي تثبت ردود من تم قتلهم وقطع رؤوسهم على الاتهامات الموجهة ضدهم وموقف القضاة بتصديق النيابة العامة وتكذيب أقوال المقتولين ستكشف المزيد من فضائح ودموية قتل أبرياء وممارسة الكذب والتزييف، وحجم الاستبداد والعنف والتعذيب داخل السجون السعودية التي هي حتما أكثر وحشية من جريمة قتل الإعلامي جمال خاشقجي التي وقعت خارج حدود الدولة وتمكن الإعلام الخارجي من تغطيتها.

واندلعت بعد مجزرة الإعدام الجماعي مظاهرات في العديد من دول العالم أمام السفارات والمصالح السعودية في الخارج، بينما ساد الصمت وهول الصدمة على أهالي الضحايا، ومنعت السلطات إقامة أي مجلس عزاء على روح المقتولين، بعد رفضها تسليم الجثامين للأهالي لتوديعها ودفنها حسب معتقدهم وطريقتهم، ما يعني رسالة ترهيب وانتقام حكومية من كل من شارك في المظاهرات ضدها ومن الأهالي. ولكل معتقل ومن تم قطع رأسه بالسيف قصة مؤلمة لشبان تحركوا وتظاهروا للمطالبة بالحقوق والإصلاح ولكن تم اعتقالهم واتهامهم بالإرهاب باعترافات تم انتزاعها بالإجبار بالتعذيب الوحشي.

فقد أكد المعتقلون بطرق عدة براءتهم من التهم الموجهة ضدهم وذلك عبر المقاطع المصورة والمنشورة لهم، وحسب أوراق المرافعات لجلسات المحكمة – محاكم تفتقد أبسط معايير المحاكم العدالة والشفافية والتغطية لوسائل الإعلام غير الحكومية ومن يدور في مدارها. لقد قال المعتقلون قبل إعدامهم للقضاة عن تعرضهم للتعذيب الوحشي عند التحقيق وأنه تم إجبارهم على التوقيع على اعترافات كتبت حسب طلب المحققين، ولكن القاضي الذي عليه التحقيق في تلك الادعاءات وكشف الحقيقة، هدد الشبان بتأكيد تلك الاعترافات المقدمة من قبل النيابة العامة والمحققين أو إعادتهم مجددا إلى غرف التعذيب للاعتراف. وقال أحد الذين وقعوا على الإقرار للقاضي: “التعذيب الوحشي والحالة النفسية كفيلان أن يوقعا المعتقل على إقرار جاهز بما لم يفعله وانما حسب ما كتبه ويريده المحقق. والله المستعان”.

كلمات تعبر عن مدى وحشية التعذيب. الملاحظة التي اتفق عليها المتابعون والمراقبون لعملية الإعدام الجماعي، هي غياب العدالة لدى المحاكم والقضاة، وعدم تقديم الرياض أي دليل حقيقي ضد المتهمين ولو صوريا، وان الأحكام تخالف القوانين والأنظمة الوضعية التي تحظر إعدام من يقبض عليه في سن أقل من 18 بل انها جائرة وتخالف الشرائع السماوية.

والاتفاق على أن الأحكام لها أبعاد سياسية لترهيب القضاء وسحق المعارضة. سفك دماء الأبرياء يجر الدم. وإصرار السلطات السعودية على وسائل الترهيب الحكومي عبر القمع والاعتقال والتعذيب والتحرش بالنشطاء والمتظاهرين ومن يعبر عن رأيه من رجال ونساء وأطفال، وإعدام العشرات باتهامات كاذبة لدليل على دموية وتوحش الرياض وغياب العدالة والحقوق والاستهتار بالأرواح.

14 مايو/أيار 2019

بقلم : علي ال غراش

 

 

 

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق