السلفية "السعودية" أزمة الاستمرار وضرورة الرحيل
هذه السلفية انتهت الآن إلى طرق متناقضة أشد التباين من جماعات التكفير والسلفية الجهادية، إلى فقهاء ولي الأمر من جامية ومدخلية بإفرازاتها المختلفة في البلاد العربية، التي نظَّرت بحميمية للاستبداد والوثنية السياسية، وأنكرت على الشعوب حقها في الثورة على الطغيان>

على مدار عقود تسيدت السلفية "السعودية" الساحة الإسلامية سواء على مستوى الفكر أو الشكل، قبل أن نعرف مؤخرا من ولي العهد محمد بن سلمان أن نشر "الوهابية"– الأساس الفكري للسلفية - على مدار ستة عقود كان بأوامر مباشرة من المخابرات الأمريكية.

 

أزمة السلفية السعودية ليست وليدة تصريح ابن سلمان، لكنها قديمة قدم التأسيس الأول للمملكة الذي شهد تحالفا في "الدرعية" سنة 1157هـ بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والسياسي محمد بن سعود، الذي استغل وبنوه الوهابية لبناء دولة ذات دعائم دينية، زاحمت الدولة العثمانية في البدء، ثم حاولت وراثة مكانتها عقب انهيار الأخيرة، خصوصا عقب وضع اليد على الحرمين الشريفين.

 

انحرافات فجة صاحبت البدايات واستمرت، حتى وصلنا إلى حال يرثى له من استغلال الدين لصالح السلطة الزمنية، وتطويع "النص" لسلطة "ولي الأمر"، ما دعا إلى فتح الباب على مصراعيه لإعادة تقييم هذه المنظومة فكرا وممارسة، ليس من اليوم بل منذ لحظة التأسيس الأولى في الدرعية 1157هـ، كشفا للغطاء عن الأزمات الفكرية التي أنتجتها والصورة التي انتهت إليها.

 

الفكر الوهابي ومراجعات لابد منها

 

مثلت أفكار محمد بن عبد الوهاب الحمولة الدينية التي اتكأت عليها الدول السعودية الثلاث، لكن الأخيرة منها والمستمرة حتى الآن نجحت في استخدام الفكر الوهابي كقوة ناعمة لتعزيز حضورها في الأقطار الإسلامية، مستعينة في ذلك بالصعود "السلفي" منذ سبعينيات القرن الماضي، الذي بذل جهودا كبيرة لترويج الأفكار الوهابية، باعتبارها معبرا صادقا عن سلف الأمة، ونموذجا إصلاحيا في مواجهة الأفكار المنحرفة، مما جعلها تحتل مركز الصدارة في "المخيال" الإسلامي.

 

الإلحاح السلفي "السعودي" على نشر أفكار محمد بن عبد الوهاب وكتبه التي كانت توزع دون مقابل، إضافة إلى الخطاب العقدي الحاد الذي ربط التوحيد بمحمد بن عبد الوهاب وجودا وعدما، وذلك بتصوير جزيرة العرب بأنها كانت قبل ظهوره تغرق في حالة من الشرك والوثنية، جعل نقد الأطروحة الوهابية عصيا على الإسلاميين أنفسهم، الذين استقر في اللاوعي لدى كثيرين أن نقد "الأفكار" الوهابية سيعد طعنا في التوحيد ذاته!!

 

إشكاليات كبرى فجرتها الحركة الوهابية على مستوى الفكر أو الممارسة، عقب إتاحة محمد بن عبد الوهاب أحكام التكفير بكل خطورتها لآحاد الناس، ثم كان تطورها على الصورة التي رأيناها في أفكار جماعات التكفير والهجرة، والتوقف والتبين، في إعادة بعث ربما لأفكار وممارسات جماعات الخوارج الأولى.

 

لا ننكر أن ثمة اضطرابا كبيرا في رسائل محمد بن عبد الوهاب في مسائل التكفير، ففي الوقت الذي يؤكد في "الرسائل الشخصية" عدم تكفيره للمعين إلا بعد بلوغه الحجة، إلا أنه في كثير من مصنفاته الأخرى حمل حملة عشواء على المخالفين له، وكثيرا ما نعتهم بأهل الشرك والإلحاد والنفاق!! والمفارقة أن أخاه سليمان بن عبد الوهاب – وكان عالما فقيها - تصدى له وكاد أن يُقتل في إحدى "الغزوات" التي شنها أتباع محمد بن عبد الوهاب، كما سيأتي ذكره. 

 

لم يكتفِ ابن عبد الوهاب بفكره المكتوب "المضطرب"، بل سرعان ما حوله إلى نهج وممارسات، حسب ما دونه المؤرخون الموثوق بهم من قبل الوهابيين أنفسهم، وعلى رأسهم ابن بشر في كتابه "أحوال المجد في تاريخ نجد"، وابن غنام في تاريخه الذي سمى الجزء الأول منه "روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام"، في حين أطلق على الثاني " كتاب الغزوات البيانية والفتوحات الربانية".

 

والمفارقة أن جميع تلك الغزوات التي أرخوا لها كانت ضد المسلمين والمخالفين له بدعوى معاداة التوحيد!

 

فابن بشر يحكي عن أحوال ابن عبد الوهاب عقب لقاء ابن سعود في الدرعية ويقول: "ثم أمر الشيخ بالجهاد لمن عادى التوحيد وسبه وسب أهله، وحضهم عليه فامتثلوا، فأول جيش غزا سبع ركايب، فلما ركبوها وأعجلت بهم النجايب في سيرها، سقطوا من أكوارها لأنهم لم يعتادوا ركوبها، فأغاروا على بعض الأعراب فغنموا ورجعوا" ويقول في موضع آخر: "ولما منَّ الله سبحانه بظهور هذه الدعوة وهذا الدين، أمر الشيخ بالجهاد لمن أنكر التوحيد من أهل الإلحاد".

 

أما ابن غنام فيحدثنا أنه في حوادث عام 1165 هـ «ارتد أهل «حريملا» - وكان قاضيها سليمان بن عبد الوهاب، أخو الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وكان الشيخ حين علم أن أخاه يسعى في الفتنة، ويُلقي على الناس الشبهات قد أرسل إليه كتبا ينصحه فيها، ويؤنِّبه على ما كان يصنع، ويحذِّره العاقبة، فأرسل سليمان إلى الشيخ رسالة زخرف فيها القول، وأكد فيها العهد، وذكر له أن لن يقيم في حريملا يوما واحدا إن ظهر من أهلها ارتداد».

 

ويستكمل ابن غنام الرواية قائلا: "ثم فتح المسلمون حريملا عنوة، فقد سار إليها عبد العزيز بن محمد بن سعود في نحو ثمانمئة رجل، ...فلما أصبحوا شنُّوا الغارة، فخرج إليهم أهل البلد، فاشتد بينهم القتال، فلما خرج عليهم الكمين الأول صبروا حتى بدا لهم الكمين الثاني، فلم يملكوا إلا الفرار فتفرقوا في الشعاب والجبال، وقتل المسلمون منهم مئة رجل، وغنموا كثيرا من الذخائر والأموال، وقُتِل من المسلمين سبعة.

 

ودخل المسلمون البلدة، وأعطى عبد العزيز بقية الناس الأمان، وصارت البلدة فيئا من الله، ودورها ونخيلها غنيمة للمسلمين، وفي هذه الوقعة هرب قاضي البلدة سليمان بن عبد الوهاب - أخو الشيخ- ماشيا حتى وصل إلى سدير سالما. ثم أقبل عبد العزيز بالأموال والغنائم إلى الدرعية، فقسمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب متبعا بذلك سنة رسول الله، وما كان يصدر عن السلف".

 

النصوص السابقة تحكي لنا وقائع "مرعبة" تشمل تكفيرا جماعيا للمسلمين (ارتد أهل حريملا)، واستباحة دمائهم وأموالهم (قتل المسلمون مئة رجل، وغنموا كثيرا)، وتأسيس جماعة خارج سلطان الدولة القائمة آنذاك، ستعمل بعد ذلك على تطوير التمرد إلى إعلان دولة جديدة!!

 

هذا التمرد لم يقف عند حد القتل والسلب، بل تعداه إلى منع قوافل الحجاج القادمة من مصر واسطنبول من الوصول للبيت الحرام بدعوى الشرك، بل وصلت غارات الوهابيين إلى الكويت والعراق وحدود الشام، وأثاروا الرعب في نفوس الناس كلما سمعوا بقدومهم .

 

نهايات تستوجب ضرورة الرحيل

 

السلفية "السعودية" التي بدأت باستحلال دماء المسلمين وأموالهم، على نحو ما أوردنا بعض نماذجه - ولا يعفيها من المسؤولية كونها كانت تدعو إلى تصحيح ما علق بالدين من خرافات - واصلت رحلتها في تأصيل فكرة فرز المخالفين لها؛ فهذا أشعري مؤول، وذاك ماتريدي معطل، وهذا قبوري مشرك، وذاك صوفي جاحد، وإهالة التراب على جهود المدارس الفقهية السابقة تحت دعوى محاربة التعصب المذهبي، وطمس جهاد وعطاء المدارس التربوية الأخرى وفي مقدمتها الصوفية، –بعيدا عن الانحرافات العقدية التي شابت التصوف الفلسفي-، الذين أدى كثير منهم دورا مشرفا في الجهاد ضد الأخطار الخارجية التي واجهت المسلمين، كالدور الذي أدوه في الإعداد الروحي لجهاد الصليبيين واسترداد بيت المقدس، ودور الحركة السنوسية "الصوفية" في جهاد المحتل الإيطالي، والصوفية السودانية في جهاد الإنجليز، إلخ.

 

هذه السلفية انتهت الآن إلى طرق متناقضة أشد التباين من جماعات التكفير والسلفية الجهادية، إلى فقهاء ولي الأمر من جامية ومدخلية بإفرازاتها المختلفة في البلاد العربية، التي نظَّرت بحميمية للاستبداد والوثنية السياسية، وأنكرت على الشعوب حقها في الثورة على الطغيان، وأخضعت النص "المنزل" لرغبة ولاة الأمر، بل وصل بهم الحال لتسخير منبر المسجد الحرام للدفاع عن ولي العهد السعودي، ولم يتحرك لهم ساكن مع فرض الحصار على الشعب القطري ومنعه من الوصول إلى بيت الله الحرام، وسكت فقهاء السلفية السعودية عن تورط ولاة أمرهم في الانقلاب على الرئيس المصري محمد مرسي، واشتراكهم في إغراق ليبيا في مستنقع الفوضى الذي حظي بدعم السلفية الجامية في نسختها الليبية، وتخطيطهم لمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، أما الكارثة الكبرى فصمتهم عن المأساة الإنسانية التي خلفتها مغامرة ولي العهد الفاشلة في اليمن، التي صنفتها الأمم المتحدة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في القرن الحالي.

 

 

أفكار وممارسات مأزومة من مرحلة التأسيس حتى الآن، بدأت بذبح "المخالف" واستباحة أمواله، حتى وصلنا إلى قتل "المعارض" وتقطيع جثته.

 

المصدر: موقع 21

الكاتب: سمير العركي

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق