سياسة احتجاز الجثامين..بين تسلط النظام السعودي ولوعة أهالي الشهداء!
لم يهدأ حزن أهالي شهداء الإعدامات بعد. حزن يلف الأحياء والبلدات والبيوتات في “القطيف والأحساء” ويخترق جدرانها التي تئن من ألم الفقد والمصاب....

لم يهدأ حزن أهالي شهداء الإعدامات بعد. حزن يلف الأحياء والبلدات والبيوتات في “القطيف والأحساء” ويخترق جدرانها التي تئن من ألم الفقد والمصاب.
قبل نحو أسبوعين أعدمت السلطات السعودية ثلة من الشبان الأحرار، بإعدامهم بحد السيف، وحرمت عوائلهم وذويهم منهم مدى الحياة؛ لا بل حرمت العوائل المفجعة حتى من لحظة مواساة تخفف لوعة المصاب على والدة وأبناء وأب وشقيق وأخت وأقارب، وذلك باحتجازها لجثامين الشهداء ومنعها العوائل من إكرام شهيدها كما هو المشهد المعتاد، لتثبت السلطة مرة أخرى خوفها من الشهداء في حياتهم ومماتهم.
الشهيد محمد حسن الحايك قتل بواسطة التعذيب الشديد في سجون الرياض ولم تُسلم جثته بل ولم يعلم خبر استشهاده إلا بعد مرور عام ونصف. لا تزال الرياض تستشرس باستخدام سياستها بإخفاء جثامين الشهداء، مع كل حفلة إعدام أو اغتيال وسط الشوارع العامة، أو خلف زنازين السجون المظلمة، فإن التضييق على العوائل وحرمانهم من حقوق الإنسان الأساسية بإكرام “الميت” وتكفينه ودفنه، وإقامة عزاء له، يمارس بشكل مضطرد بحق عوائل الشهداء؛ حيث أن عوائل 33 شهيداً من شهداء الاعدامات التي نفذت قبل نحو اسبوعين، لا تزال تأمل باستعادة أجساد شهدائها، بغية مواساتها وتسكين لوعة الفراق المتواصل منذ سنوات تخللتها مأساة الاعتقال والاخفاء ومعاناة التعذيب والمحاكمات غير العادلة، وصولاً إلى تنفيذ أحكام إعدام وفقاً لأهواء سياسية لا تستند إلى مواثيق قانونية واعترافات أو أدلة.
إعدام، قطع رؤوس، واغتيال وسط الشوارع العامة ومن ثم احتجاز لأجساء الشهداء وعدم السماح لذويهم بإكرامهم ودفنهم؛ هذه هي سياسات النظام السعودي التي يمارستها مع أبناء “القطيف والأحساء”، مستشرساً في زيادة منسوب الألم واللوعة عند الأبناء والأطفال والأمهات والآباء والأقارب، الذين حرموا من شهيدهم وإكرامهم وتشييعه.
ينقل مصدر مقرب من عائلة أحد الشهداء لـ”مرآة الجزيرة”، صورة الحالة المأساوية التي تعيشها إحدى أمهات الشهداء، ويقول :”إنها تجلس على باب المنزل تستقبل المعزيات، وتترقب وصول جثمان ابنها، هي لا تصدق حتى اليوم أنها لن تراه مجدداً، وهي التي كانت تنتظر الإفراج عنه في أية لحظة”.
يتابع المصدر، أن حالة أم الشهيد لا تختلف عن واقع الحال في بيوتات بلدات القطيف حيث يخيّم الحزن على الأجواء، واصفاً مشهدية الحرمان من إقامة العزاء للشهداء بأنها “مفجعة للقلوب”، ولكنه يستدرك، بأن سبب الحرمان والحظر، يعود لتخوف السلطات من خروج المشيعيين، وهو المتوقع بالآلاف في البلدات التي أبت إلا أن تكرم شهدائها على الدوام.
ولا تزال السلطات السعودية تحتجز جثمانهم منذ ما يقارب 25 عام . إلى جثامين العشرات من الشهداء المحتجزين عند السلطات تضاف أجساد الـ33 شهيداً الذين أعدموا في 23 أبريل الماضي، احتجاز جديد يؤكد ماهية النظام القائم والمستمر في سياساته الانتقامية من أبناء “القطيف والأحساء” داخل السجون وخارجها، وفي حياتهم وبعد مماتهم. ينتهج النظام سياسات انتقامية منظمة للنيل من النشطاء، وأصحاب الصوت المطلبي الذي يبقى صداه يهزّ عروش الظالمين على امتداد الزمن.
يعيد مشهد احتجاز جثامين شهداء الاعدامات الذاكرة إلى حفلة الاعدامت التي نفذتها السلطات في الثاني من يناير 2016، حين اغتالت صوت الحق المطلبي رجل الديني الشيعي البارز الشيخ نمر باقر النمر ومعه عدد من الشبان، وحرمت ذويهم من اتعادة جثامينهم بحجة أنها تقوم بدفن الأجساد في ما تسميه “مقابر المسلمين”، وهي مقابر لا أحد يعرف مكانها وتمنعها السلطات عن جميع الناس، وبالتالي تمنع الأهالي من “قبر يواسي حزن العوائل من لوعة الفقد والمصاب”، وهو ما يقوله أحد أبناء الشهداء. احتجاز الجثامين ..سياسة يقوم عليها آل سعود احتجاز جثامين شهداء الاعدامات ليست الوحيدة، فقد عانى أهالي العوامية الذين رزحوا تحت وطأة الاجتياح عام 2017 من سياسة سرقة جثامين الشهداء الذين اغتالتهم العناصر العسكرية وسط الشوارع العامة، وأعربت بهمجيتها المستخدمة بحق الشهداء عن سياسة غل طائفي أفرزت بحق أبناء الطائفة الشيعية.
لجنة “الدفاع عن الشهداء المغيبون” كشفت عن لوائح تظهر أسماء عشرات الشهداء الذين اغتالتهم الرياض، واحتجزت جثامينهم منذ عام 2016 حتى أبريل 2019، وفاقت أعدادهم الـ74 شهيدا، تنوعت طرق شهادتهم بين القتل وسط الشوارع العامة والاغتيال والحكم المسيس بقطع الرؤوس.
وعلى الرغم من المطالبات المتكررة تتمسك الرياض بسياسة احتجاز الجثامين وتمنع العوائل من تسكين فقدها وإكرام فقيدها، وهذه السياسات تتناقض والمواثيق الدولية والمحلية وكافة الشرع الدينية والحقوقية، حيث تنص المواثيق الدولية الوضعية على حرمة الاعتداء على الجثامين حتى في حالات الحرب، إذ أنَّ القواعد الدولية قد نظمت سلوك الدول المتحاربة، فكيف اذا كانت قوات عسكرية تعتدي على أبناء بلدها ومَنْ تعتبرهم مواطنين، مستخدمة كافة الوسائل العسكرية.
الشهيد صادق مال الله كذلك، دولياً تم تنظيم استخدام الوسائل العسكرية وفقاً لمبادئ أخلاقية مشروعة تتنافى مع الغدر الذي ينتهجه النظام السعودي مع المواطنين، ضارباً بالمواثيق الدولية عرض الحائط. وقد وردت كثيراً من هذه القواعد في اتفاقية جنيف سنة 1864 لمعاملة جرحى ومرضى الحروب والمعدلة بمعاهدة سنة 1906 ثم باتفاقية سنة 1929، ووردت أيضاً في اتفاقية لاهاي سنة1899 وسنة 1907، وفي اتفاقيات جنيف الخاصة بمعاملة جرحى وأسرى الحرب وحماية المدنيين سنة 1949، إذا ما اعُتبرت الرياض تخوض حرباً ضد مواطنين عزل داخل بقعة من أرض الجزيرة العربية.
وعلى امتداد أعوام بسط آل سعود سلطتهم على أرض الجزيرة بقوة السيف وسفك الدم، تتواتر وبشكل متلاحق عملية الاغتيالات والاعدامات وعقبها احتجاز الجثامين، إذ أنه ومنذ أكثر من 10 عقود، حين تصدى الزعيم السياسي الشيعي عبدالحسين بن جمعة لمحاولات عبدالعزيز بن سعود احتلال القطيف وفرض سيطرته عليها، وراسل الحامية العثمانية في البصرة يطلب مساندته في مواجهته لجيش بن سعود، وحين ظفر به بن سعود قتله بالسيف وقيل دفنه حياً في العام 1914 ومنذ ذلك الحين لم يعلم أحد أين غُيّب جثمان الزعيم الشيعي.
كذلك، ثمة معتقلون قضوا نحبهم تحت سياط التعذيب منذ ستينات القرن الماضي، ولا تزال جثامينهم مُغيبة لا أحد يعلم مكانها غير السلطات التي أزهقت أرواحهم وسط الزنازين المعتمة، وبين هؤلاء: الشهيد عبدالرؤوف بن الشيخ حسن الخنيزي1961، الشهيد عبدالمجيد الشماسي1968، الشهيد حسن بن العلامة الشيخ فرج العمران1970، الشهيد عبدالواحد العبد الجبار1970، الشهيد حسن صالح الجشي1973، الشهيد محمد الحايك1997.
وآخرين تم اعدامهم بالسيف تحت مبرارات وذرائع مختلفة يجمع بينها الرغبة في التصفية الدموية للشبان الشيعة متى تجرأوا على رفع أصواتهم مطالبين بالحقوق والحريات، أو قاوموا سياسات البطش والتهميش والاذلال، ومن بين هؤلاء الشهداء: الشهيد خالد عبدالحميد العلق1988، الشهيد أزهر علي الحجاج1988، علي عبدالله الخاتم1988، محمد علي القروص1988، صادق عبدالكريم مال الله1992.
8 مايو/أيار 2019

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق