أولاد العم .. المطبعون !! .. التاريخ السرى لعلاقة آل سعود بالإسرائيليين من الملك عبدالعزيز 1939 .. إلى أنور عشقى 2016

لم تكن زيارة الجنرال السعودى ورجل المخابرات السابق أنور ماجد عشقى، إلى الكيان الصهيونى، والتى جرت وقائعها خلال شهر (يوليو/تموز 2016) هى الأولى لمسئول سعودى، ولن تكون الأخيرة.

* لكن ..

التاريخ سيسجل أن (عشقى) ودولته سيدخلونه علنياً بعد أن كان سرياً من أسوأ أبوابه، وهو باب (التطبيع) مع كيان محتل لمقدسات وأرض وحقوق عربية، وقاتل لملايين من الضحايا الفلسطينيين والعرب، سيدخل (عشقى) التاريخ من أسود أبوابه وأكثرها مذلة لدولة تدعى حماية الحرمين الشريفين، دولة قدمت مبادرة (للسلام) عام 2002 أحد أبرز شروطها أن التطبيع والعلاقات مع إسرائيل مرتهن بقبولها ورد بعض حقوق الفلسطينيين، ورغم أن ذلك لم يتحقق طيلة الـ 14 عاماً الماضية منذ إطلاق الملك عبد الله لهذه المبادرة فى مؤتمر القمة العربى فى بيروت، إلا أن (عشقى) ودولته، قاما بالتطبيع وإعلان بدء العلاقات السياسية والاقتصادية مع (إسرائيل) مجاناً وفى مخالفة صريحة، حتى لمبادرتهم الفاشلة للسلام !! .

* إذن هو “العشق” التاريخى بين دولة آل سعود والكيان الصهيونى، والذى لم يعد يطيق أطرافه أن يكتموه فلقد برح بهم الشوق والهوى !! .

* صحيح أن المصالح الجديدة المتمثلة فى معاداة للأنظمة الثورية فى المنطقة، ومحاولة بناء حلف جديد يضم السعودية وإسرائيل وبعض الدول فى مواجهة إيران واليمن وسوريا والعراق والمقاومة الفلسطينية واللبنانية، صحيح أن ثمة مصالح جديدة طرأت وزلازل سياسية حدثت طيلة الفترة من (2011-2016) استدعت إعلان “العشق” السعودى لإسرائيل عبر عشقى ومن قبله تركى الفيصل ! .

* كل هذا صحيح .. لكن التاريخ يقول أن هذا ” العشق ” والعلاقات الدافئة والسرية كان حاضراً دائماً، وفى هذا البحث سنقدم بعض صفحات من تاريخ هذا التطبيع السرى الذى لم تعد (الرياض) تنكره، بل هى تتفاخر اليوم به رغم أنه كان ولايزال فعلاً فاضحاً فى التاريخ العام للأمة والوطن.

***

أولاً : جذور العلاقات السرية بين أولاد العم : آل سعود والإسرائيليين :

يحدثنا التاريخ أنه وقبل إنشاء الكيان الصهيونى فى فلسطين بعد حرب 1948، وتحديداً فى عام 1939 التقى الأمير فيصل بطلب من والده عبد العزيز وفداً يهودياً صهيونياً، إن ثمة علاقات خفية جرت مباشرة بين الأسرة السعودية الحاكمة والكيان الصهيونى، وعلاقات أخرى جرت بطريقة غير مباشرة دخلت فيه واشنطن وبعض عواصم الغرب على خط العلاقات فزادته دفئاً وقوة، ولنتأمل بعض الصفحات .

* إن أول لقاء سعودي – صهيوني يعود تاريخه إلى عام 1939 عندما عقد بلندن مؤتمر حول القضية الفلسطينية حضره الأمير فيصل الذي كان آنئذ وزيرا للخارجية, إذ اجتمع الأمير السعودي عدة مرات منفردا بالوفد اليهودي الصهيونى في المؤتمر حيث كان الملك عبد العزيز يبذل قصارى جهده لتوطيد علاقاته بالأمريكان. وبمرور الوقت وعندما أصبحت القضية الفلسطينية أكثر التهابا أفلح الأمريكان في إقناع الملك عبد العزيز بالتحايل اللفظي من أجل التخلص من المسؤولية التاريخية وذلك بإصدار بيان شديد اللهجة ضد اليهود ولكن دون أي تعهد من جانبه بالعمل ضدهم. وقد ظهر ذلك بوضوح في حرب عام 1948. واستمر هذا الموقف ليكون أساسا للسياسة السعودية حول القضية الفلسطينية مجرد بيانات فارغة ومسايرة للرأي العام العربي لكن من دون أي التزام. ومن الطرائف التى يذكرها المناضل الشهيد ناصر السعيد فى كتابه (تاريخ آل سعود) أن الملك عبدالعزيز دأب حين كان يلتقى الوفود الفلسطينية وبعضها بقيادة الشهيد عبدالقادر الحسينى أن يشير إلى عينه العوراء (والتى اقتلعتها امرأة فى إحدى معاركه ضد الحجازيين) ويقول : فلسطين فى عينى، وأصلاً عينه لم تكن موجودة !! هكذا قال ناصر السعيد !!.

***

* وعندما تسلم الملك سعود الحكم وبدأ مغامراته مع النظام المصري بعد ثورة يوليو 1952 بالاقتراب منها مرة والابتعاد عنها مرات أخرى شعرت إسرائيل بالقلق, واستطاع موفدوها, تحت مظلة شركة “أرامكو”, أن يجدوا طريقهم إلى الملك سعود, ونجحوا في تحريضه ضد عبدالناصر بعد أن أخفقوا في الوصول إلى الأمير فيصل ولي عهده الذي كان معجبا بعبدالناصر وكان يأمل في أن يكون حليفا له في صراعه ضد أخيه الملك سعود. وفي عام 1958 ومع قيام الوحدة السورية – المصرية تدهورت العلاقات السعودية – المصرية إلى حد بعيد, وأصبح الملك سعود مقتنعا بأن عبد الناصر – بعد حرب السويس وقيام الوحدة المصرية – السورية وحل حلف بغداد – يطمع في السيطرة على المنطقة العربية كلها. وكانت إسرائيل تعلم بعلاقات سعود بسوريا ونجحت في إقناعه بضرورة استغلالها لمصلحة العائلة السعودية وإسرائيل لمهاجمة الوحدة والإجهاز عليها. فبدأت بالعمل فورا حيث تم تشكيل لجنة سرية مؤلفة من موظفين يعملان في شركة أرامكو: الأول ضابط مخابرات إسرائيلي يحمل جواز سفر أمريكي ويعمل في قسم العلاقات العامة بالشركة والآخر سعودي غير معروف من أصل سوري. وقد توصلت اللجنة إلى أن عبد الحميد السر اج الرجل القوي الذي يرأس جهاز المخابرات السورية يمكن أن يكون المفتاح لضرب الوحدة, لأنه شخص فوق الشبهات ويتمتع بثقة عبد الناصر الخالصة. فأمطروه بالصكوك المالية التي تسلمها بدوره وأعلن عنها فيما بعد لفضح المؤامرة الموجهة ضد الوحدة المصرية – السورية والتي تتضمن في تفاصيلها اغتيال عبد الناصر. وحين حملت وكالات الأنباء خبر الكشف عن المؤامرة باء سعود بالخسران ووجد فيصل فرصته للانتقام, فسافر إلى القاهرة وقابل جمال عبد الناصر ليتأكد بنفسه من أن المؤامرة قد جرت حقيقة وليست مجرد دعاية معادية. وما أن قدم إليه ملف المؤامرة مع الصكوك المالية وأشرطة التسجيل حتى أعلن براءته منها وحاول استغلالها للمساعدة على إقصاء أخيه سعود عن الحكم.

يحدثنا التاريخ أن إسرائيل لم تهدأ تجاه عبدالناصر . فقد وجدت في سياسة التأميم فرصتها لاستعداء فيصل الذي أخذ يتغير موقفه إزاء عبد الناصر. وبالفعل عبر عن عدائه له علنا. ولم يكن هذا التغير سهلا على فيصل الذي عرف بالحكمة والتأني في اتخاذ قراراته وعدم تغيير موقفه بشكل مفاجئ ودون مبرر قوي. ولكن الأكثر أهمية هو أن عداءه لسعود كان قد دخل في نفس الوقت طور المواجهة الحادة. فلماذا تغير بهذا الشكل وخسر حليفا مهما في العالم العربي كان يمكن أن يساعده في التغلب على أجنحة سعود الأخرى؟.

في كلية فيكتوريا في الإسكندرية (أوائل الخمسينات) التي كانت في الحقيقة مركزا لتجنيد وتخريج عملاء الإمبراطورية البريطانية كان هناك ثلاثة طلاب يدرسون في صف واحد وهم: شخصية عربية تبوأت عرش الملكية في دولة عربية مشرقية (الملك حسين) وكمال أدهم صهر الملك فيصل والذي أصبح فيما بعد مديرا للمخابرات السعودية وعدنان خاشقجي الذي أصبح فيما بعد من أهم تجار السلاح في العالم وذا علاقات وثيقة بالمخابرات الأمريكية – الإسرائيلية. وقد استطاعت المخابرات الأمريكية تجنيد الثلاثة وغيرهم لتحمل المسؤوليات الموكولة إليهم: الأول ملكا وكمال أدهم مستشارا لفيصل ومسئولا عن المخابرات بينما اختار عدنان خاشقجي حقل الاتجار بالأسلحة والعلاقات السياسية العامة(وهذه هي الطريقة المهذبة لتجنيد العملاء).وعندما تبلورت شخصية عبد الناصر السياسية بعد انتصاره في تأميم قناة السويس وفشل نظرية ملء الفراغ الأمريكية التي عرفت فيما بعد بمشروع إيزنهاور أدركت أميركا أن رهانها على عبد الناصر كان خاسرا, وتوصلت المخابرات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية إلى وجوب تحجيم عبد الناصر وتخريب علاقاته بالحكام العرب, ذلك أنه رغم الفائدة المجانية من أسلوبه في الحكم فإن شعبيته الواسعة يمكن أن تشكل خطرا شديدا على مصالح أمريكا وإسرائيل في المنطقة.

كان هذا الوقت ملائما لمجموعة فكتوريا لكي ينهضوا بمسؤولياتهم, فبدأ الملك المذكور بإرسال تقارير إلى العربية السعودية ضد عبد الناصر محذرا من طموحاته في المنطقة. وأخذ كمال أدهم يحشو رأس فيصل بالمعلومات الخاطئة التي عززها بالمعلومات الأمريكية التي استطاع الحصول عليها مباشرة من الأمريكان أو عن طريق خاشقجي. وعندما نجحت هذه المجموعات في مهمتها تدخلت آرامكو للمرة الأولى فأرسلت للملك سعود تقريرا مفصلا لما أسمته بـ”تحركات عبدالناصر” وكانت المؤامرة التي أنهت الوحدة المصرية السورية عام 1961 ذروة النجاح لتلك الجهود.وكان التمويل والتعاون بالطائرات والأسلحة والمؤامرات السياسية بين السعودية وإسرائيل فى حرب اليمن لاستنزاف عبدالناصر فى اليمن(كما سنفصل لاحقاً) .

ووفقا للمصادر الإسرائيلية فقد تحركت العربية السعودية لمهاجمة عبد الناصر وفكرة الوحدة العربية. وكان مؤتمر شتورا في لبنان تتويجا لهذا الهجوم. وفي نفس الوقت شاركت الصحافة اللبنانية التي بدأت السعودية بالسيطرة عليها في حملة دعائية ضد عبد الناصر لم يسبق لها مثيل. وفي هذه الأثناء تم تكوين أول مجموعة عمل إسرائيلية – سعودية مشتركة كانت تواصل اجتماعاتها في إحدى الشقق ببيروت بهدف توجيه الوضع العربي وفق خططها. وبعد ذلك انضمت إيران – الشاه – إلى المجموعة بعد ما وصل عداؤها لعبد الناصر حدا لا عودة بعده. وكانت المهمة الموكولة لتلك المجموعة هي:

1- صياغة نظرية سياسية متلبسة بلبوس الإسلام متعاطفة مع الغرب لاحتواء أي آثار جانبية لحركة القومية العربية ضد الغرب.

2- تحجيم عبد الناصر.

3- نشر وتعزيز فكرة التحالف العربي – الغربي تحت قيادة أميركا وجعلها مستساغة في الأقطار العربية.

وقد أخذت المجموعة في اعتبارها جميع التجارب التي فشلت سابقا مثل حلف بغداد والحلف الإسلامي ومشروع ايزنهاور. وعكفت على إعداد خطة لتحقيق تلك الأهداف وكانت المهمة صعبة بسبب الظروف الاجتماعية المعقدة في المنطقة، إلا أن حرب اليمن وتورط عبد الناصر فيها تكفلت بالأمر كله.وبعدها هزم عبد الناصر في عام1967 ثم جاءت السبعينات والثمانينات لتمثل سنوات ازدهار في مجال العلاقات السعودية الإسرائيلية السرية والآن العلنية .

فهل أمثال هؤلاء جديرون بالإشراف على الأماكن المقدسة في الحجاز، أو جديرون بأن يؤتمنوا على القضية الفلسطينية. سؤال للأمة وعلمائها وإعلامييها؟! .

***

ثانياً : التعاون السعودى الإسرائيلى فى حرب اليمن ومقاتلة عبدالناصر :

كشفت بعض وثائق المخابرات الأمريكية والإسرائيلية التى صارت معلنة؛ الآن عن حقائق مذهلة عن التعاون التاريخى بين الكيان الصهيونى والكيان السعودى ضد عبدالناصر وضد الشعوب العربية وكانت حرب اليمن نموذجاً، لقد انفجرت ثورة اليمن (26 سبتمبر 1963) التى قلبت الوضع كله رأساً على عقب حيث تدخلت مصر لتأييد الثورة فتزايد الخطر على العائلة السعودية الحاكمة التى اعتقدت أن الثورة فى اليمن وتأييد مصر لها يعنى بداية خلق صراع فى المملكة وحفز المعارضة السعودية غير الظاهرة للعيان على البروز .

وفى غمرة ارتباك السياسة السعودية إزاء الثورة اليمنية ومع تزايد حدة الصراع على الحكم بين سعود وفيصل قام كل من الملك المذكور وكمال أدهم وعدنان خاشقجى (مجموعة فيكتوريا) بدورة ناشطة وفقاً لتوجيهات المخابرات المركزية الأمريكية ، وكان ذلك تحت إمرة مباشرة من قبل رئيس مجلس الأمن القومى الأمريكى فى ذلك الوقت المدعو روبرت كومر الذى كان على صلة قوية بإسرائيل وأرامكو .

وقد جابهت هذه المجموعة مشكلة صعبة وحادة فى شخص الرئيس الأمريكى جون كيندى الذى كان على علاقة حسنة مع عبد الناصر حيث كان بين الاثنين إعجاب متبادل لدرجة أنه اقتنع بالاعتراف بالثورة اليمنية وأخبر فيصل رسمياً أن مخاوفه من عبد الناصر والثورة اليمنية أمور مبالغ فيها وأن على العائلة السعودية أن تصرف اهتماماتها إلى تطوير بلادها بدلاً من أن تخوض خصومات لا مبرر لها .

***

* غير أن رسائل كومر باعتباره مسؤولاً عن مجلس الأمن القومى الأمريكى استمرت بالوصول إلى كيندى وركزت على نقطة الضعف لدى أى رئيس أمريكى وهى ضرورة حماية أمن إسرائيل وتجنب معاداة السامية وقد طلب من الرئيس الأمريكى أن يخبر الأمير فيصل لدى اجتماعه به فى تشرين الأول (أكتوبر) عام 1962 ما يلى :

1 – إن مساعدتنا لمصر تهدف إلى كبح جماح عبد الناصر واحتوائه وليس إجباره على الارتماء فى أحضان السوفييت .

2 – إنه من الضرورى للمملكة العربية السعودية أن لا تتبع سياسة التمييز ضد اليهود الأمريكان العاملين فى المملكة ، وإذا لم يحترم السعوديون هذا العهد الذى قطعه الملك سعود فسوف يكون تأثير ذلك سلباً على علاقات الصداقة السعودية – الأمريكية لأن إسرائيل وجدت لتبقى دائماً .

وقد أبلغ فحوى الرسالة إلى فيصل وكان الهدف منها ثنيه عن أية خطة لديه للتعامل مباشرة مع إسرائيل لمجابهة عبد الناصر وفى غضون أيام قليلة وصل فيصل إلى لندن لمناقشة كيفية معالجة الوضع فى مواجهة الثورة اليمنية والتدخل المصرى اللذين كانا خطراً يهدد كلاً من الحكم السعودى واستمرار الوجود البريطانى فى اليمن الجنوبى ، بل ويشمل فى تهديده كل منطقة الخليج وتدفق النفط الذى يشكل شريان الحياة بالنسبة للغرب .

وتحرك على الفور كومر مع مجموعة فيكتوريا ، وإذا كان كنيدى لا يريد اتخاذ موقف أمريكى بشأن اليمن استجابة للضغط السعودى فإن البريطانيين كانوا مستعدين ليفعلوا ذلك لأنهم شعروا بالخطر المباشر فى عدن ، آخر معقل للإمبراطورية البريطانية فى الوطن العربى والذى يسعى عبد الناصر لإزالته .

كانت الاستراتيجية الإسرائيلية هى أن تضع ولأول مرة فيصل على اتصال مباشر مع إسرائيل بواسطة عضو مجلس العموم البريطانى المحافظ الصهيونى الميول الذى ترأس ما يسمى جماعة السويس المدعو جوليان إيمرى ” وذلك بالتعاون مع النائب ثم الوزير البريطانى دنكان سانديز الذى كان يزيد على الإسرائيليين فى عدائه لعبد الناصر ولكى يعطى الاجتماع أهمية خاصة قام السير دوجلاس وايت رئيس جهاز التجسس البريطانى ” إم .آى سكس ” بتقديم فيصل إلى إيمرى وحضور القسم الأول من الاجتماع .

وفى كتابه ” الصراع على اليمن ” ذكر إيمرى أنه أخبر فيصل بأن نجاح الكولونيل عبد الناصر فى الحصول على موطىء قدم فى الجزيرة التى هى مركز أهم الاحتياطات البترولية فى العالم العربى والعالم قاطبة ينذر بالشر وينبغى على جميع الأطراف المتأثرة مصالحها مقاومته . وقد أخبر فيصل أن أية محاولة لمواجهة ناصر عسكرياً سوف تسحق ، وأن الحل هو إقحام اليمن فى حرب أهلية يكون لإسرائيل فيها دور أساسى ومباشر . هذا بالإضافة إلى إيجاد تحالف قوى بين النظامين السعودى والأردنى وإنهاء حالة التوتر الموجودة بينهما .

وفى ذات الاتجاه سعت بريطانيا رسمياً محاولة تغيير الموقف الأمريكى إزاء ناصر والثورة اليمنية .

***

قاعدة إسرائيلية فى السعودية :

وشهدت المناقشات بين لندن وواشنطن خلافات حادة حول الأسلوب الأمثل لمعالجة الأزمة اليمنية ، وللتعامل مع عبد الناصر فى اليمن ، وقد ارتاعت لندن من إلحاح كنيدى على إيجاد تسوية فى اليمن مادامت بريطانيا لا تعتبر الثورة حركة ضارة ، لذلك تحركت بالتعاون مع إسرائيل لإثارة القوى الضاغطة ممثلة بشركات النفط والبنوك التى إذا ما وجهت ضغوطها استطاعت أن تنجز شيئاً .

وعلى الرغم من كل ذلك فإن كيندى اعترف بالنظام الثورى فى اليمن وإن كان اعترافه هذا مصحوباً ببعض الشروط ، وعلى ما يبدو فإن فيصل ربما كان مقتنعاً بأن التعاون مع إسرائيل يجب إلغاؤه بعد الإطاحة بسعود وتتويجه ملكاً مكانه ، ولكن موافقته فى اجتماع تشرين الأول (أكتوبر 1962) على التعاون السعودى الإسرائيلى لمهاجمة الثورة وعبد الناصر أوجدت وضعاً على أرض الواقع لا يمكن إلغاؤه أو التخلص منه بسهولة ، ويعتبر هذا التعاون مهماً جداً كونه أول تعاون تآمرى مع إسرائيل موجه ضد أكثر من دولة عربية ولتدعيم هذا التعاون نجح كومر فى إجبار أمريكا على إرسال سرب جوى إلى المملكة العربية السعودية للبقاء هناك تدليلاً على تصميم أمريكا على الدفاع عن النظام السعودى ومنع أى هجوم على حدوده وقد تم ذلك بسبب إلحاح الخطة السعودية – الإسرائيلية عليه .

تمكن خاشقجى من الحصول على ميزانية غير محدودة لشراء جميع الأسلحة اللازمة للمرتزقة الإسرائيليين والبريطانيين الذين تقرر إرسالهم إلى اليمن ، وكذلك لتسليح القبائل التى انحازت إلى جانب الملكيين والسعودية .

كذلك حصل كمال أدهم على ميزانية مفتوحة لرشوة القبائل اليمنية ومواجهة متطلبات الجانب الإسرائيلى تحت ستار مساعدة العناصر اليمنية وبالإضافة لكل ذلك اتخذت إجراءات أخرى مثل :

1 – استئجار الجنود المرتزقة العائدين من بيافرا والكونغو .

2 – اعلان جوليان إيمرى النائب البريطانى الصهيونى ودنكان سانديز عن تشكيل مكتب باسم ” لجنة الدفاع عن اليمن الإمامية ” مستخدمين الضابط البريطانى المرتزق جون كوبر لشراء وتأجير المرتزقة وشكلت وحدة عمل لهذا الغرض مقرها فى سلون ستريت بلندن .

3 – تشكيل إيمرى مع فتزورى ماكلين زوج ابنة هارولد مكملان لجنة فى مجلس العموم البريطانى تحت شعار ” عدن لن تلحق السويس ” هدفها الإعلان مباشرة أن بريطانيا تدعم وتشارك فى كل شىء يفعله النائب الصهيونى المحافظ جوليان إيمرى.

4 – تحرك الضابط البريطانى المرتزق جون كوبر عبر الحدود السعودية إلى منطقة الجوف اليمنية ليشكل أو لوحدة عمل سعودية إسرائيلية مشتركة لتوجيه جنود المظلات الإسرائيليين من أصل يمنى الذين سينزلون ليذوبوا فى المجتمع اليمنى كما هو مقرر حيث سيقودون عمليات تخريبية .

5 – افتتاح مكتبين لتجنيد المرتزقة أحدهما فى لندن والآخر فى عدن لنفس الغرض . وقد كان المكتب الثانى تحت إشراف سكرتير الحاكم البريطانى فى عدن الضباط فى القوات الجوية الملكية (أر.أ.اف) انتونى الكسندر بويل كما أشارت صحيفة الأوبزرفر البريطانية فى عددها الصادر فى 9 آيار (مايو) عام 1964 ، وذكره أيضاً انتونى ماكلير فى كتابه ” المرتزقة ” .

6 – كما كان مقرراً أن تتحرك بريطانيا بواسطة هؤلاء المرتزقة عبر الحدود بينما تتحرك إسرائيل من جدة وجيبوتى لإنزال الأسلحة لهؤلاء المرتزقة ومؤيديهم فى الجبال اليمنية .

7 – افتتاح مكتب ارتباط سعودى – إسرائيلى ببيروت إبعاداً لتلك الأنشطة عن الأراضى السعودية ، وقد أقلق وجود المكتب فؤاد أيوب اللبنانى آنذاك فأرسل تفاصيل نشاطه إلى القاهرة لكى يحمى نفسه من عواقب نسج المؤامرات فى لبنان ضد مصر .

وكان هدف العملية الإسرائيلية البريطانية السعودية المشتركة استنزاف طاقات مصر فى اليمن ومحاولة إسقاط النظام الثورى هناك ، وقد لعبت المخابرات السعودية دوراً أساسياً وخطيراً جداً فى تاريخ العرب الحديث بتبذيرها المال على إسرائيل وتآمرها السرى معها، إذ تشير بعض المصادر إلى أنه ربما كانت السعودية هى الممول الحقيقى لتطبيق فكرة الغزو الإسرائيلى للأرض العربية عام 1967 . وكان أيضاً الطرف العربى الوحيد الذى عرف بخطة الغزو عشية الخامس من حزيران/يونيو عام 1967 وكان إلى الجانب الإسرائيلى فى أغلب الحروب – رغم الإدعاءات والأوهام التى روجت عن حرب النفط عام 1973 – وما يجرى اليوم ضد سوريا ولبنان (حزب الله) وقوى المقاومة الفلسطينية، بل وضد مصر فى سيناء مع جماعات الإرهاب الوهابية، وبعد مهزلة التنازل المصرى عن جزيرتي تيران وصنافير، والذى جاء لكى تضع السعودية وبأوامر أمريكية قدماً لها فى اتفاقية كامب ديفيد وأن تكون بداية للتطبيع والعلاقات العلنية بدل تلك السرية.. كل هذه الأدوار السعودية التاريخية تؤكد على الروح التآمرية ضد قضية العرب المركزية قضية فلسطين، وتؤكد أنها تخدم وتعمل بإخلاص لصالح العدو الصهيونى منذ نشأت المملكة (1932) وحتى يومنا هذا (2016).

***

ثالثاً : صفحات سرية من علاقة أولاد العم : آل سعود وآل صهيون :

نعم .. هم أولاد عم سواء صدقنا رواية المناضل القومى الشهيد ناصر السعيد فى كتابه المرجع (تاريخ آل سعود) أو لم نصدق، والذى أثبتت فيه بالدلائل والقرائن الموثقة الأصل اليهودى لأسرة آل سعود وأنهم بالأصل (آل مردخاى) نقول سواء صدقنا ناصر السعيد أو لم نصدقه فإنهم أولاد عم بل أشقاء من حيث السياسات والأدوار الإقليمية التخريبية فى المنطقة منذ نشأة كلا الكيانين (الكيان السعودى 1932 وقام على الدم وقتل القبائل المنافسة) و(الكيان الصهيونى وقام عام 1949) أيضاً على الدم وحقوق الآخرين.

على أية حال يحدثنا التاريخ الحديث نسبياً أن عدداً من الشخصيات السعودية الرئيسية كان لها دوراً تاريخياً فى التطبيع مع العدو الصهيونى من هؤلاء يأتى كمال أدهم صهر الملك فيصل ورئيس المخابرات السعودية فيما بعد والملياردير عدنان خاشوقجى تاجر السلاح المعروف وصاحب الحظوة والوزن والصلات الوثيقة بملوك السعودية جميعا والذين درسا معا فى الأربعينيات فى مدرسة فيكتوريا بالإسكندرية (ومعهم الملك حسين كما سبق وأشرنا) وتصادقا وبمرور الأيام نقلا ولائهما إلى المخابرات المركزية الأمريكية وساهما بفاعلية فى تموين حرب اليمن بالمرتزقة والسلاح وبإمداد الإسرائيليين بالأموال اللازمة للقيام بنقل المرتزقة وجنود المظلات من جدة وجيبوتي إلى اليمن للمشاركة في إسقاط النظام الجمهوري الوليد (وسبق أن أشرنا فى المحور الأول لخلية فيكتوريا بالقدر من التفعيل).

*وحيث كان خاشوقجى صديقا وشريكا فى تجار السلاح مع ديفيد كيمحى رئيس الموساد فى أوربا وآل شويمر المدير السابق لمصانع الطائرات الإسرائيلية وتاجر السلاح ومن خلالهما تعرف على العديد من المسوؤلين الإسرائيليين (بيجن ،بيريز،شارون..وآخرين) فإنه قام وبموافقة الملك الراحل فهد وتحت إشراف بندر بن سلطان سفير السعودية فى واشنطن وقتها بعديد من اللقاءات مع العديد من الحكام والسياسيين العرب والإسرائيليين وتقديم التقارير للمخابرات الأمريكية وعلى سبيل المثال تقرير كتبة وسلمة لروبرت ماكفرلين مستشار الرئيس لشئون الأمن القومى فى 17/5/1983 من 47 صفحة يزعم فيه (أن جميع الدول تعترف ضمنا بأن القدس ستبقى فى أيدى إسرائيل عند إبرام تسوية) (صموئيل سينان – الصحفى الإسرائيلي فى كتابة عن العلاقات الإسرائيلية).

* ولم يكن سلوك أعضاء خلية فيكتوريا بعيدا عن سياسات دولهم فى ارتباطها المباشر بالمصالح الغربية والمعادية فى نفس الوقت الوقت لمصالح شعوبهم . وكانت أبرز الأمثلة على ذلك ماتم بشأن الوحدة المصرية السورية وما حدث بعدها فى اليمن .

لكن الأدعى بالملاحظة هو الدور الذي لعبته المملكة السعودية في تلك الحملات التي لم تنقطع يوما ضد اى تحرك شعبي يحمل شبهة العداء للاستعمار والقوى الغربية في المنطقة فقد كان حكام السعودية وملوك آخرون أمريكيين أكثر من الأمريكان ودون مناقشة لدور السعودية اليوم (2016) فهو فاضح لنفسه من غير مواربة، وهو شديد الوضوح فى خدمة المشروع الأمريكى والصهيونى إلى حد لم يعد يحتاج إلى بيان، لكن .. دعونا نتجه إلى الماضى قليلاً:

* فعندما تنشر صحيفة الجار ديان اللندنية في 15/3/1995 [أن إسرائيل ساعدت الملك الحسن الثاني ملك المغرب على هزيمة مقاتلي جبهة البوليساريو في الصحراء المغربية الغنية بالفوسفات ببناء حاجز ترابي هائل يمنع هجمات مقاتلي الجبهة عن الجيش المغربي].

فإننا نتفهم الأمر لأن دور إسرائيل في المنطقة معروف.. لكن عندما يصرح السفير الأمريكي في المغرب للتليفزيون البريطاني [.i.tv](بأن الحاجز المذكور تكلف مليار دولار دفعتها السعودية ) لأيقنا أن دور السعودية في مواجهة الشعوب وحركات التحرر قد أصبح دورا إقليميا ولم يقتصر على محيطها الجغرافي المباشر .

* ويتكشف دورها ويتضح أكثر إزاء شرائها لكميات هائلة من الأسلحة الإسرائيلية فى بداية الثمانينات ضمنها ضابط المخابرات الإسرائيلي فيكتور أوستروفسكى فى كتابة الشهير الذي نشرة بكندا وفشل إسحق شامير رئيس وزراء إسرائيل آنذاك في منع نشرة عن طريق القضاء حرصا على إخفاء أسرار العلاقات الإسرائيلية السعودية بعيدة عن أسماع الشعوب العربية، يقول أوستروفسكى :[ أن المملكة السعودية تشترى كميات كبيرة من الأسلحة المصنوعة في إسرائيل وقد علمت من القسم المسئول عن السعودية في الموساد أن إسرائيل تبيع ـ عبر دولة وسيطة – خزانات وقود للطائرات السعودية المقاتلة (f15) لتمكينها من الحصول على مزيد من الوقود لإطالة الرحلة إذا ما دعت الحاجة لذلك ]وقد أكدت الخبر مجلة جينز العسكرية في 21/7/1984 .

* ويعطى الصحفي الإسرائيلي ( ستيف رودان ) في الجيروزاليم بوست فى 17/9/1994 تفصيلا أدق للمسألة عندما يقول ( أن حرب الخليج عام 1991 قد شكلت منعطفا هاما بالنسبة لصناعات إسرائيل العسكرية لأنها مكنتها من بيع الأسلحة الإسرائيلية على نطاق واسع للولايات المتحدة وحلفائها العرب ، فمثلا اشترت السعودية منها منصات إطلاق صواريخ توماهوك ، وقذائف مضادة للدروع ، وطائرات استطلاع بدون طيار ، وأجهزة ملاحة ، فضلا عن 14 جسر عسكري صنعتها شركة تاس الإسرائيلية سعر الجسر الواحد مليون دولار ) ويضيف الخبيران الأمنيان ( ميليمان ، رافيف ) [ أن إسرائيل شحنت للسعودية مناظير للرؤية الليلية ومعدات لزرع الألغام وقد أمر الجنرال شوارتزكوف قائد قوات التحالف الغربي ضد العراق بإزالة جميع الكتابات العبرية المنقوشة على الأسلحة حتى لا يكتشف أحد منشأها ] .

***

* ويكفى لفضح ادعاءات البيانات السعودية شديدة اللهجة المدعية (رفض التطبيع) ما عرضة التليفزيون البريطاني إبان حرب (العراق/الكويت 1991) من صور لجنود من اليهود الأمريكيين وهم في وضع الصلاة ، وما علق بة مقدم البرنامج على الصور قائلا [هؤلاء الجنود يصلون على أرض العرب من أجل أن يساعدهم ربهم على هزيمة العرب].

* ثم يأتي الخبير العسكري ( سليج هاريسون ) ليبرز في كتابة ( الحرب ذات الكثافة المحدودة ) أبعاد عمليات التمويل وطرقها قائلا ( إن مصدرا رفيعا في المخابرات الأمريكية أبلغة على سبيل المثال أن المخابرات الأمريكية دفعت 35 مليون دولار عام 1986 لإسرائيل من الأموال السعودية لشراء بعض الأسلحة التي غنمتها إسرائيل من الفلسطينيين اثنا غزوها لبنان عام 1982 ثم قامت بشحنها جوا إلى باكستان لتوزيعها على المجاهدين فى أفغانستان) (مداولات مجلس الشيوخ الأمريكي عام 1987 ص 203 ) . وتضيف النيويورك تايمز في 6/3/1987 [ أن آل سعود يستخدمون (البنك) دبلوماسيتهم الصامتة في العالم العربي والإسلامي ولخدمة المصالح الأمريكية ، ويقوم البنك بالتالي بإرسال الأموال إلى ميامى في أمريكا من خلال بنك آخر هو A.b.c في جزر الكيمان].

* أما عن عمليات التبادل التجاري فكتب ألكسندر بلاى فى (جيروز اليم كوارتلى) يقول :[إن النفط يغادر المواني السعودية وما أن يصل إلى عرض البحر حتى يتم تغيير مسار القافلة وتفريغ حمولتها في عرض البحر وتزييف أوراقها وتحويل الحمولة إلى المواني الإسرائيلية] .

* وتتحدث مجلة الإيكونوميست البريطانية [ إن إسرائيل تقوم بحماية النفط السعودي الذى يضخ من ميناء ينبع على البحر الأحمر ، وعملا باتفاق سرى إسرائيلى سعودى مصرى فإن إسرائيل تقوم بموجبه بحماية القطاع الشمالى من البحر الأحمر بينما تقوم مصر بحماية القطاع الجنوبى والغربى مقابل حصولهم على مساعدات مالية سعودية] ونعتقد أن هذه الترتيبات السرية والأمنية فى مجال النفط والتى ذكرتها الإيكونومست لاتزال سارية حتى يومنا هذا 2016 .

***

* ولا يقتصر الأمر على علاقات سرية بهذا الاتساع والعمق فى تجارة السلاح والنفط بل تجاوزها الى مجالات أخرى متعددة منها قيام الشركات والحكومة السعودية باستيراد أجهزة كمبيوتر إسرائيلية ماركة ( ياردين ) لرى حدائق الأمراء والحدائق العامة (يديعوت أحرونوت16/12/93) ، ومنها عقد اتفاقيات رسمية لتصدير الحمضيات الإسرائيلية ( برتقال ـ ليمون ) عبر الأردن (معاريف 4/1/95) ، بينما تذكر صحيفة معاريف فى 29/10/93 أن شركة سعودية اتصلت بمكتب المجلس المحلى لمستوطنة (كرنى شمرون) وأبدت استعدادها لشراء شقق سكنية بالمستوطنة ، ليس هذا فقط بل إن المفاوضات التي جرت مع دولة قطر لتزويد إسرائيل بالغاز الطبيعي قد خلقت تنافسا بين رجال الأعمال العرب بحيث أبدى رجال الأعمال السعوديين الموجودين حاليا في زيارة لإسرائيل اهتماما على ما يبدو ليس فقط بعقد صفقات نفط بل أيضا ببيع الغاز الطبيعي ( دافار 1/2/94 ).

* أما عن المجال الرياضي فقد نشرت صحيفة البوست في 24/7/1989 [ أن فريق نشء وادي شارون الإسرائيلي لكرة البيسبول قد التقى مع الفريق السعودي في دورة رياضية في قاعدة رامشتاين الجوية الأمريكية المقامة في ألمانيا الغربية .

* في حين ذكرت مجلة الفجر التي تصدر فى القدس في 14/5/1992 أن رئيس بلدية القدس (تيدى كوليك) قد اجتمع مع الشيخ إسحق إدريس مستشار الرابطة الإسلامية العليا بالرياض الذى وصل على طائرة شركة العال الإسرائيلية قادما من القاهرة وهى أول زيارة تقوم بها شخصية دينية على هذا المستوى ، وقد سلم كوليك إدريس تمثالا من النحاس لقبة الصخرة وعبر له الشيخ إدريس عن رغبته في الحصول على صورة تشتمل أيضا على حائط المبكى .

* لكن الدهشة من كل ما سبق تتراجع إزاء ما ذكره ( مليمان،رافيف ) فى كتاب لهما بعنوان ( كل جاسوس أمير ) يقولان فيه :[ إن جهاز المخابرات الإسرائيلية ( الموساد ) قد فوجئ بتحركات مستقلة للثلاثى ( خاشوقجى ، نيمرودى ، آل شويمر ) مع العديد من المسئولين الإسرائيليين .. وكانت تلك التحركات عن طريق شارون الذى صار وزيرا للدفاع وعلا نجمة وأعلن فى خطاب فى ديسمبر 1981 عن امتداد مصالح إسرائيل الأمنية والإستراتيجية من أواسط إفريقيا وشمالها .. وحتى باكستان ، وقد حصل الثلاثي على وثيقة سرية كتبها ولى عهد السعودية آنذاك الأمير فهد اسمها ( خطة فهد للسلام ) لتسليمها للسلطات الإسرائيلية والتى تلتها مبادرة شقيقه الراحل (عبدالله) المسماة المبادرة العربية للسلام (2002).

* ولكن الدهشة تقل تدريجياً عندما يعترف خاشوقجى فى عيد ميلاده الـ 55 والذى احتفل به فى مدينة السينما “كان” لمراسلة صحيفة يديعوت أحرونوت بالقاهرة (سامدار بيرى) أن (عملية موسى) لتهجير يهود الفلاشا الإثيوبيين إلى إسرائيل والتي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل والسودان عبر الأراضى السودانية قد تمت في منزله خلال اجتماع سرى عقد فى مزرعته الخاصة بكينيا عام 1982 وحضره كل من جعفر نميرى وشارون وزوجته ونيمرودى وزوجته وآل شويمر ، ورئيس المخابرات الإسرائيلية ناحوم إمدونى ) ( مجلة الدستور 20/8/1990 ) وتواصل سامدار بيرى حديثها عن التعاون الأمني بين خاشوقجى والإسرائيليين قائلة [ إن خاشوقجى نصح الإسرائيليين بقولة : أقترح أن تسلموا السلطة إلى صديقي إريك ( يقصد إرئيل شارون ) وعندئذ سيكون كل شئ على ما يرام ] .. وبعد 20 سنة من هذا الحديث تولى شارون السلطة .. وأصبح كل شئ في منطقتنا على ما يرام من ذبح واستيطان وأسر لآلاف الفلسطينيين تماماً وفق ما تمنى وسعى إليه كل من خاشقجي وآل سعود !! .

* أما القضية الفلسطينية التي اتبعت المملكة السعودية إزاءها سياستان كعادتها إحداها فى العلن للاستهلاك العربي والأخرى في الخفاء.. بناء على نصية تاريخية قديمة للرئيس الأمريكي ترومان للملك عبد العزيز آل سعود عام 1939 فلم تخرج عن الآتي:

1 – الضغط على الفلسطينيين حيث ذكرت صحيفة هاآرتس الإسرائيلية عام 1987 [أن السفير السعودي في واشنطن آنذاك بندر بن سلطان قد ذكر أن السعودية تضغط على منظمة التحرير الفلسطينية وخاصة على زعيمها ياسر عرفات لإصدار بيان تعترف فيه بإسرائيل].

وهو ما أكده خاشوقجى عند محاولته عقد لقاء بين عرفات وشيمون بيريز في مؤتمر فاس بالمغرب .

2 – ليس هذا وفقط فقد أذاع راديو إسرائيل فى 19/11/1991 [أن بندر بن سلطان قد أعلن أن السعودية لا تعتبر نفسها طرفا فى النزاع الشرق أوسطي وهى تقوم حاليا بدور كبير لدى الأطراف العربية لحل النزاع سلميا] بينما كان بندر بن سلطان صاحب هذا التصريح يعد العدة لاستقبال وفد أمريكي إسرائيلي في الرياض بسرية تامة حيث طلب من الإسرائيليين استخدام جوازات سفر غربية، ويعتبر الوفد من أنشط عناصر الحركة الصهيونية على الساحة الأمريكية، وقد طالب الوفد من المسئولين السعوديين بالضغط على الدول العربية لإلغاء المقاطعة العربية لإسرائيل، ووقف دعم حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة، وقطع المساعدات عن الانتفاضة، ووقف العمليات العسكرية فى لبنان والإفراج عن الطيار الإسرائيلي الأسير (رون أورد) في لبنان] (صحيفة الشعب المقدسية 2/11/1992)

3 – أما القنبلة التي فجّرها بندر بن سلطان في اجتماعه مع الجالية اليهودية في نيويورك بمنزل الملياردير اليهودي تسفي شالوم فكانت حسبما ذكرت صحيفة معاريف [كان الاجتماع سريا وودودا للغاية وأكد بندر بأن الرياض ليست لديها تحفظات على سياسة إسرائيل في مواجهة العنف في المناطق المحتلة ] أى أن السعودية توافق على مذابح إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. وكل قمع انتفاضاته المتواصلة .. وهل هناك عجب أنها تصريحات أولاد العم، لبعضهم البعض !! .

4 – لكن الأكثر دوياً من التصريح السابق فكان تصريحا لاحقا لبندر أيضا خلال لقائه بعدد من الزعماء اليهود نقلته صحيفة هاآرتس الإسرائيلية يقول فيه: [ إن السعودية غير مستعدة للقبول بالحل المبنى على إقامة دولة فلسطينية مستقلة وأنها ستؤيد فقط إقامة إتحاد بين الفلسطينيين وبين الأردن ( إتحاد كونفيدرالى ) ].

***

في عام 1987 نفت وزارة الصحة السعودية أنباء عن اتصالات سرية بين المملكة والكيان الصهيوني لإنشاء مركز إقليمي متخصص فى عمليات زرع الكبد في الشرق الأوسط ، وفى عام 1991 إبان غزو الكويت أعلن ديك تشيني أن حوالي 7700 يهودي بين القوات الأمريكية في السعودية ، ونفت السعودية هبوط 14 طائرة حربية إسرائيلية في الأراضي السعودية للمشاركة في الحرب ضد العراق .

– ونفت السعودية زيارة 200 سعودي للقدس خلال عام 1992 فى شهر يونيو ، وأشارت مصادر صحفية لعقد قيمته 70 ألف دولار أبرمته شركة إسرائيلية مع شركة سعودية لتوريد منتجات ورقية وبلاستيكية .

– واجتمع وزير الخارجية الصهيوني شيمون بيريز في فبراير عام 1993 مع رجل الأعمال السعودي رئيس الغرفة التجارية السعودية (عبدا لله ألرواس) حيث طلب منه بيريز الشروع في نشاطات غير رسمية لتنظيم التعاون التجاري بين المملكة والكيان، واجتمع رئيس اتحاد الغرف التجارية الإسرائيلية مع وزير المالية السعودي وتحدثت الأخبار عن قيام وفد إسرائيلي بزيارة للملكة عام 1992 ، التقى خلالها كبار المسئوولين للتباحث فى عملية السلام وتأمين النظام السعودي ، حيث طلب الكيان مقايضة الضغط السعودي على الدول العربية بإنهاء المقاطعة الاقتصادية في مقابل تقديم المعلومات الأمنية الصهيونية .

واجتمع محافظ البنك المركزي السعودي فى واشنطن مع محافظ البنك المركزي الإسرائيلي لبحث مساهمة السعودية في الاقتصاد الفلسطيني.

– فى ديسمبر عام 1999 نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن صحفية إسرائيلية تدعى “أورلى أولاى” أنها قامت بزيارة للمملكة العربية السعودية لإجراء حوارات مع مسؤولين سعوديين، حيث أكدوا – حسبما زعمت الصحفية التى تعمل مراسلة لصحيفة “يديعوت أحرونوت ” الإسرائيلية – أن الصداقة بين الشعبين الإسرائيلي والسعودي تطوّرت منذ التجربة المشتركة القاسية التي فرضها عليهما الرئيس العراقي صدام حسين الذى قصف البلدين بصواريخ سكود خلال حرب الخليج عام1991 ، إلا أن مسؤولين سعوديين أكدوا أن الصحفية قد دخلت الى المملكة بموجب جواز سفر أوروبى .

– وفى فبراير 2002 نقلت “نيويورك تايمز” عن الأمير عبدالله ولى العهد السعودي آنذاك قوله إن السعودية على استعداد لتطبيع علاقاتها مع “إسرائيل”واقترح انسحابا إسرائيليا كاملا من كافة الأراضى العربية المحتلة بما فيها القدس مقابل تطبيع كامل للعلاقات مع ” إسرائيل” ، وهو ما لم يحدث من إسرائيل ومع ذلك ظل الرجل على مبادرته للسلام رغم فشلها حتى مات ولم يحصل منهم على تنازل واحد !! .

– وأعلن موشى كاتساف رئيس دولة الكيان الصهيونى وقتها (2002) عن استعداده لدعوة الأمير عبدالله لزيارة القدس لعرض مبادرته ، وأنة مستعد للتوجه إلى الرياض ، وطلب شارون من الإدارة الأمريكية المساعدة فى ترتيب عقد إجتماع علني أو سرى مع مسؤولين سعوديين لبحث المبادرة .

– وفى تاريخ العلاقات السرى تلك الأنباء التى نشرت عن مسئول إسرائيلي يدعى بروس كشدان كان يشغل وظيفة وكيل وزارة بوزارة الخارجية الإسرائيلي أعلن عام 2006 أنه يقيم حاليا فى المملكة العربية السعودية ويحمل جواز سفر أمريكيا وإسرائيليا، قد ظهر اسمه لأول مرة مع ردود الفعل الأمريكية والدولية ، التي صدرت في أعقاب مجزرتي صبرا وشاتيلا اللتين قامت بهما فرق موت إسرائيلية في مخيمات للفلسطينيين فى الضاحية الجنوبية من العاصمة اللبنانية بيروت ، وراح ضحية وحشيتها أكثر من 3500 رجل وامرأة وطفل من سكان المخيمات ، حقق نجاحات سياسية ( بعضها مرتبط بجوانب تجارية ) في السعودية تفوق تلك التي حققها في دول الخليج ، التي تنتقل فيما بينهم كمنسق للعلاقات التجارية الدولية بدرجة سفير فوق العادة . ومع أنة يتمتع بوضع محسوب على النشاط الإقتصادى بالدرجة الأولى في الخليج، إلا أن أبواب القدر قد انفتحت لة في السعودية . وقصة وجود بروس كشدان الدبلوماسى الإسرائيلي السابق، الذى نقل إقامته إلى السعودية ، وأخذ على عاتقة مهمة كبيرة ومعقدة ، مبنية على إيجاد موضع قدم رسمى للبضائع الإسرائيلية فى الخليج ، وعلى علاقات تجارية مباشرة بين دول المنطقة والدولة العبرية.

* هذه الزيارات لها تفاصيل أخرى مذهلة نتركها للمحور التالى .

***

رابعاً : زيارات الإسرائيليين السرية للسعودية .. نماذج وحقائق :

* اعتادت الصحافة الأجنبية فى كل فترة أن تشير إلى اخر التطورات التى طرأت على العلاقة بين الكيان الصهوينى والنظام السعودى .. ولقد رصدت تلك الصحافة زيارات العديد من الإعلاميين والسياسيين الصهاينة إلى الرياض، إما بجواز سفرهم الإسرائيلى أو بجواز سفرهم (الغربى) ولدينا قائمة بقرابة الـ 60 شخصية إعلامية وسياسية واقتصادية إسرائيلية زارت مملكة آل سعود حتى يومنا هذا(2016)، ولنأخذ بعضها، لقد حمل شهر يناير (2008) زيارة مراسلة صحيفة يديعوت أحرونوت إلى السعودية ، فقد أشارت الصحيفة الصهيونية في صفحتها الأولي يوم 15/1/2008 ان مراسلتها اورلي ازولاي، دخلت إلى العربية السعودية ضمن حاشية الرئيس الأمريكي. . وتحت عنوان إسرائيلية في ارض الإسلام ، نشرت الصحيفة “الإسرائيلية” صورة لمراسلتها في العربية السعودية وقد كتب علي اليافطة القريبة منها صحيفة يديعوت أحرونوت .. وقالت الصحافية “الإسرائيلية” انه بعد وصول الطائرة إلى مطار الرياض الدولي، قام ممثل وزارة الإعلام السعودية بمنحها بطاقة الصحافة السعودية الرسمية، لافتة إلى أنها افتتحت مكتبا مؤقتا للصحيفة “الإسرائيلية” في العاصمة السعودية . .ولفتت الصحافية أيضا في تقريرها الذي وصل مباشرة من الرياض، إنها فوجئت عندما وصلت إلى غرفة الصحافة وشاهدت لافتة وقد كتب عليها باللغة الإنجليزية صحيفة يديعوت أحرونوت ، مؤكدة أن جميع هذه الإجراءات تمت بعلم وبموافقة من السلطات الرسمية في المملكة .

وأضافت اورلي ازولاي قائلة أن النبأ عن وصول صحافية “إسرائيلية” الي الرياض، أثار الفضول لدي الجميع في المكان، وبعد مرور فترة قصيرة من الزمن وصل الي المكان ثلاثة مندوبين من التلفزيون السعودي الرسمي وطلبوا منها أن توافق علي المشاركة في برنامج سياسي وببث حي ومباشر في التلفزيون ووافقت علي ذلك، وقد تم تقديم الحلقة بمشاركة الصحفية “الاسرائيلية”.

وأكدت الصحفية “الاسرائيلية” ان ممثل وزارة الإعلام السعودية كان في انتظارها في بهو الفندق وقال لها انه يأمل أن يتم السلام هذه المرة بين “اسرائيل” وجميع الدول العربية .

وأكدت ان المسؤول السعودي اهتم جدا بالوضع الصحي لرئيس الوزراء “الإسرائيلي” السابق ارييل شارون، وسألها لماذا توقفت الصحافة “الإسرائيلية” عن متابعة أخباره الصحية .

وقالت الصحافية أيضا، إنها زارت العربية السعودية قبل حوالي عشرة أشهر برفقة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ولكن خلافا للمرة السابقة، أكدت أن الأمور جرت هذه المرة بشكل عادي وان الحديث مع المسؤولين السعوديين تم علي مرأي ومسمع جميع من تواجد في بهو الفندق وفي مكتب الصحافة، مشيرة إلى أنها في المرة السابقة اخفت حقيقة كونها “اسرائيلية”، لكي لا تزعج السعوديين .

وتابعت الصحافية “الإسرائيلية” قائلة انها تلقت تعليمات من المسؤولين مفادها انه يتحتم عليها وضع غطاء للرأس فيما إذا أرادت الخروج، وفعلا خرجت الي نزهة في العاصمة وكتبت عن انطباعاتها لافتة إلى ان السعوديين كانوا علي درجة عالية من الغضب، بسبب الحراسة الأمنية المشددة من قبل قوات الأمن بسبب زيارة الرئيس بوش .

كما عبرت عن استيائها من أن المطاعم السعودية لا تسمح للمرأة وللرجل الغريب أن يجلسا سوياً، وأشارت إلى أنها اضطرت إلى ترك مطعم ماكدونالدز في العاصمة لأنها، علي حد تعبيرها، رفضت أن تراقب مشهد قيام امرأتين سعوديتين بأكل الساندويتشات بصعوبة، بسبب الحجاب !.

ولم يمضى سوى شهور قليلة حتى خرجت وسائل إعلام إسرائيلية تتحدث فى نهاية مارس 2008عن دعوة مفتى السعودية الشيخ عبد العزيز ال الشيخ مجموعة من رجال الدين الإسرائيليين “الحاخامات” للمشاركة في مؤتمر مصالحة ديني سيعقد في الرياض ويجمع شخصيات دينية كبيرة من الديانات السماوية الثلاث .. واتصل المفتي السعودي هاتفيا بممثل جمعية الصداقة الإسرائيلية العربية أهارون عفروني ووجه له هذه الدعوة.

***

* وإذا استعرضنا اللقاءات السرية التي تمت بين الإسرائيليين والمملكة السعودية خلال السنوات الأخيرة ، سنجد تاريخ حافل من اللقاءات بين الكيان الصهيوني وإسرائيل .. فخلال شهر مارس 2007 رددت وسائل الإعلام نبأ اللقاء الذي جمع بين عادل الجبير – سفير السعودية الجديد في واشنطن آنذاك (وزير خارجية السعودية اليوم 2016) مع نائب وزير الدفاع الإسرائيلي، افرايم سنيه، ضمن لقاءات ثلاثية منفصلة (سعودية وأمريكية وإسرائيلية) حول “مبادرة السلام” مع إسرائيل التي طرحتها المملكة، وذلك قبيل انعقاد القمة العربية ..وبينما سارعت الرياض كعادتها إلى نفي الخبر رسمياً، قائلة إن تلك التقارير : “لا أساس لها من الصحة”، أكدت صحيفة “يديعوت أحرونوت” : أن رواق “ديفيد وولش” – رئيس قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأمريكية – جمع الرجلين وتبادلا الحديث معاً، وحسب الصحيفة : توجه سنيه إلى الجبير – الذى يعد من أشد المقربين للملك السعودي – وصافحه قائلاً : “أنا سعيد بلقائك وجهاً لوجه.. ماذا يحدث من المشاكل في منطقتنا؟”. وأجاب الجبير : “آمل أن نصعد في الأسابيع المقبلة إلى مسار إيجابي”.

ولم يكن هذا اللقاء هو باكورة التلاقي السعودي بالإسرائيليين، بل سبقه لقاءات عدة ، ففي يناير 2007، حضر الأمير تركي الفيصل حفل استقبال في واشنطن برعاية المنظمات اليهودية الأمريكية. وكان ظهور الدبلوماسي السعودي حدث غير مسبوق، بحسب وصف “ويليام داروف” مدير مكتب واشنطن للتجمعات اليهودية المتحدة، الذي نظّم الحفل (طبعاً هذا الأمير لايزال يمارس دوره ووظيفته التطبيعية حتى اليوم (2016) وإن بأشكال أخرى به أكثر فجوراً) .

***

وفي سبتمبر 2006، أفاضت الصحف العربية والأجنبية في الحديث عن اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي، أيهود أولمرت ، ومستشار الأمن القومي السعودي آنذاك، بندر بن سلطان، في العاصمة الأردنية، كجزء من جهود جورج بوش لدعم أولمرت بعد كارثة هزيمة إسرائيل في حربها أمام حزب الله، وبحسب دانيال آيالون، السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن : فإنه اللقاء السعودي – الإسرائيلي الأعلى مستوى، حسب علمه.

وكانت صحيفة (يديعوت أحرونوت) قد نشرت تفاصيل اللقاء الذى تنفيه السعودية ، بين أولمرت وبندر بن سلطان .. وقد كتب المحلل السياسى الإسرائيلي الشهير شمعون شيفر فى عدد الخميس 28/9/2006 من صحيفة يديعوت أحرونوت أن لقاء أولمرت بالمسئولين السعوديين تم فى العاصمة الأردنية عمان بحضور العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.وأضافت الصحيفة قائلة أن رئيس الموساد الجنرال المتقاعد مئير داغان، هو الذي قام بترتيب اللقاء بالتنسيق مع العاهل الأردني.

وبعد موافقة الشخصية السعودية (والذى هو هنا الأمير بندر بن سلطان) علي اللقاء، قام مساعدو أولمرت بوضع اللمسات الأخيرة علي أجندة اللقاء، وبعد مرور عدة أيام ، أكد الصحافي الإسرائيلي الذي اعتمد علي مصادر رفيعة المستوي في تل أبيب، انه تم إيقاظ أولمرت من نومه في ساعة متأخرة من الليل، وعلي الفور تم نقله إلى احد المطارات العسكرية الإسرائيلية، ومن هناك قامت مروحية عسكرية تابعة لسلاح الطيران الإسرائيلي بنقله الي العاصمة الأردنية عمان برفقة مدير مكتبه يورام توربوفيتش والملحق العسكري الجنرال غادي شامني ورئيس الموساد. وعندما حطت الطائرة في عمان، كان العاهل الأردني الملك عبد الله في انتظار الوفد الإسرائيلي رفيع المستوي، ومن هناك تم الانتقال بسرية كاملة إلى احد القصور التابعة للملك الأردني. وأضافت يديعوت أحرونوت انه بعد مرور ساعة من الزمن، بدأ اللقاء، الذي حضره قياديون سعوديون من العائلة المالكة، وتناول الجميع وجبة عشاء فاخرة.

وخلال اللقاء الذي استغرق ساعات عدة، تناول خصوصا الأخطار الناجمة عن محاولة ايران امتلاك سلاح نووي وانتشار الإرهاب الشيعي في المنطقة.

وتابعت يديعوت أحرونوت أن أولمرت ومحادثيه السعوديين الذين لم تكشف أسماءهم اتفقوا علي ما يبدو علي مواصلة التعاون بين أجهزة الاستخبارات بشأن البرنامج النووي الإيراني. وذكرت أن أولمرت قال خلال اللقاء انه لن يقوم بأي تحرك طالما أن حركة حماس هي علي رأس الحكومة الفلسطينية، وطالما لم يتم الإفراج عن الجندي جلعاد شليط الذي أسرته مجموعات فلسطينية في حزيران (يونيو) 2006 علي حدود قطاع غزة ، وتم الاتفاق أثناء اللقاء علي ان مواصلة حركة حماس التمسك بزمام الامور في السلطة الوطنية الفلسطينية، لا يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني، ووافق الملك الأردني علي طرح أولمرت، الذي أضاف انه علي استعداد لمكافأة الرئيس الفلسطيني محمود عباس (ابو مازن)، وإطلاق سراح أكثر من ألف أسير فلسطيني من السجون الإسرائيلية، مقابل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي المأسور جلعاد شليط.

وأضاف الصحفي الإسرائيلي انه خلال اللقاء تم طرح قضية الملف النووي الإيراني، مشيرا إلي أن أاولمرت وافق علي طلب وزيرة الخارجية الأمريكية (وقتذاك) كوندوليزا رايس، بضرورة تشكيل جبهة من الدول العربية المعتدلة لمواجهة إيران وسورية وحزب الله، لافتا إلي أن الأمريكيين كانوا علي علم بالمفاوضات السرية الجارية بين إسرائيل وبين المملكة العربية السعودية، وانها قامت بتشجيع الطرفين علي مواصلة الحوار بينهما.

ولفت كاتب المقال شمعون شيفر إلي أنه خلال فترة رئاسة داغان للموساد توثقت العلاقات بين إسرائيل ودول عربية في المنطقة وعلي رأسها السعودية بصورة كبيرة جدا .

وقالت الصحيفة الإسرائيلية أن رئيس الموساد داغان يفتخر أمام الزائرين الأجانب الذين يصلون الي مكتبه في مركز الدولة العبرية بالهدايا التي تلقاها من الزعماء العرب، مضيفة انه منذ تسلمه منصبه تمكن الموساد من اختراق العديد من الدول العربية، وقالت الصحيفة أيضا أن الملوك والرؤساء العرب قاموا بإهدائه الكثير من الهدايا، وأكثرها كانت عبارة عن سيوف مرصعة بالذهب والأحجار الكريمة.

وخلص شيفر إلي أنه ليس معلوما شكل الهدايا التي تبادلها أولمرت والمسؤولون السعوديون في اللقاء الليلي السري لكن وفقا لمصادر سياسية رفيعة جدا، فإن رئيس الوزراء (أولمرت) عاد إلي البلاد فجرا متشجعا للغاية من نتائج اللقاء .

وكان أولمرت لمح في حديث إلى الإذاعة العامة الخميس 28/9/2006، إلى انه التقي أخيراً فردا في العائلة الحاكمة السعودية .. وردا علي سؤال لصحافيين عن اللقاء الذي أشارت إليه الصحف الإسرائيلية ، قال أولمرت لنقل في هذا الشأن إننا قررنا أن اصدر نفيا، لكنكم لستم مضطرين لتصديقه . وأضاف في شأن المواضيع الأخرى، عليكم تصديق كل نفي أصدره .

وفي أعقاب هجمات الـ 11 من سبتمبر ، سعى عادل الجبير – الذي كان يعمل بالخارجية آنذاك – إلى تنظيم رحلة لوفد من اليهود الأمريكيين الأعضاء في الكونجرس ، إلى الأراضي السعودية ، حتى تتوقف هجمات اللوبي اليهودي ضد المملكة على خلفية الهجمات .. ونجح الجبير – بحسب “جيروزاليم بوست” – في إقناع الملك عبد الله ، بتوجيه الدعوة لتوماس فريدمان – الرئيس السابق لقسم الشرق الأوسط بالواشنطن بوست, ورئيس مكتبها في إسرائيل لعشر سنوات – بزيارة السعودية لإجراء مقابلة صحفية مع ولي العهد السعودي آنذاك .

وفي هذه المقابلة طرح الأمير – وقتها – عبد الله, على فريدمان – كانفراد صحفي – المبادرة السعودية التي تحدثت لأول مرة عن الاعتراف بإسرائيل وتبادل العلاقات الدبلوماسية وتطبيع العلاقات معها, بشرط انسحابها إلى حدود 5 يونيو عام 1967, وهي المبادرة التي تم إقرارها بقمة بيروت عام 2002 ، لتصبح المبادرة العربية للسلام مع إسرائيل. وبسبب ما تمتع به الجبير من قدرة في العلاقات العامة، أوكلت إليه (الجبير) مهمة الاتصال بالجماعات اليهودية والإسرائيلية والتنسيق معها، وحول هذا الدور قالت صحيفة “جيروزاليم بوست”: إن الجبير ظل – منذ بداية التسعينات – على اتصال وتنسيق مع الجماعات اليهودية بما فيها منظمة اللوبي اليهودي الأمريكي “إيباك” وسبق أن التقى بـ ( يوسى بيلين ) حينما كان وزيراً في حكومة العمل الإسرائيلية .

***

وعلى صعيد متصل ، نشرت مجلة “نيويوركر” في 5/3/2007م ، تقريراً لسيمور هيرش، تحت عنوان “إعادة التوجيه” أماط فيه الصحافي الشهير اللثام عن خفايا الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة الأشد التهاباً في العالم ، وطبيعة المهمات التي تضطلع به حكومات عربية حليفة لواشنطن، وعلاقتها بالدولة العبرية ، سنقتطف منه فقرات متعلّقة بالسعودية، حيث يقول : إن التحول في السياسة دفع السعودية و(إسرائيل) إلى ما يشبه “العناق الاستراتيجي الجديد”، لاسيما أن كلا البلدين ينظران إلى إيران على أنها تهديد وجودي. وقد دخلوا (السعوديون والإسرائيليون) في محادثات مباشرة .

حيث يعتقد السعوديون أن استقراراً أوسع في ( إسرائيل ) وفلسطين سيعطي لإيران نفوذاً أقل في المنطقة، ومن ثم أصبحوا أكثر تدخلاً في المفاوضات العربية الإسرائيلية. وخلال العام 2007، توصل السعوديون والإسرائيليون وإدارة بوش إلى سلسلة من الاتفاقات – غير الرسمية – حول توجههم الإستراتيجي الجديد، وقد شمل هذا الأمر عناصر (أهمها) : طمأنة إسرائيل إلى أن أمنها هو الأمر الأسمى، وأن واشنطن والسعودية والدول الخليجية الأخرى تشاركها قلقها حول إيران .

فلقد بدأت الرياض اتصالاتها مع الإسرائيليين والجمعيات اليهودية المؤيّدة للدولة الصهيونية في الولايات المتحدة، منذ أكثر من عقد، وهو تقارب حظي بمباركة الإدارة الأمريكية على طول الخط، ولكنه لم يكن علنياً بل ظل مقتصراً على القنوات الدبلوماسية المفتوحة بين الجهتين، وكان مهندس هذه القنوات الأمير بندر بن سلطان – السفير السعودي الأسبق لدى واشنطن ـ الذي اعتبرته الصحف الإسرائيلية “صلة الوصل بين الدولة الصهيونية وجيرانها.

وكان لبندر اتصالاته القديمة مع الإسرائيليين، وفي ذلك يقدّم الكاتب الأمريكي nospmiS mailliW – كاتب سيرة حياة الأمير السعودي – تلميحات إلى الطريقة التي أسس بها بندر روابطه مع الإسرائيليين .

ويرى الصحفى الإسرائيلى (ستيف رودان) فى الجيروزاليم بوست فى 17/9/1994 ” أن حرب الخليج عام 1991 قد شكلت منعطفا هاما بالنسبة لصناعات إسرائيل العسكرية لأنها مكّنتها من بيع الأسلحة الإسرائيلية على نطاق واسع للولايات المتحدة وحلفائها العرب، فمثلا اشترت السعودية منها منصات إطلاق صواريخ توماهوك، وقذائف مضادة للدروع، وطائرات استطلاع بدون طيار، وأجهزة ملاحة، فضلا عن 14 جسر عسكرى صنّعتها شركة تاس الإسرائيلية سعر الجسر الواحد مليون دولار” .. ويضيف الخبيران الأمنيّان (ميلمان، رافيف) “أن إسرائيل شحنت للسعودية مناظير للرؤية الليلية ومعدات لزرع الألغام وقد أمرالجنرال شوارتز كوف قائد قوات التحالف الغربى ضد العراق بإزالة جميع الكتابات العبرية المنقوشة على الأسلحة حتى لا يكتشف أحد منشأها”

والعلاقات السعودية الإسرائيلية قديمة، و التنسيق بينهما موجود منذ الستينيات الميلادية، أي منذ حرب اليمن (حسب الوثيقة) على الأقل .. ففي تلك الفترة رأت السعودية وإسرائيل مصلحة مشتركة بينهما في إشغال عبد الناصر وإضعافه ، وهو ما حدث في نكسة 1967م.

يمكن اعتبار حرب اليمن بداية الانطلاقة في العلاقة بين إسرائيل والسعودية، فلأول مرة يلتقي مسؤولو البلدين اتصالاً رسمياً عبر جوليان إيمرى ، عضو مجلس العموم البريطاني من المحافظين الحاقدين على مصر، وعبر الوزير دنكان سانديز.. إيمري ذكر في كتابه: (الصراع على اليمن) بأنه أخبر الملك فيصل بأن نجاح عبد الناصر في اليمن يمثل خطراً على الاحتياطات النفطية وينذر بالشر، ولذا على جميع الأطراف مقاومته، وقال بأنه هو الذي اقترح على فيصل جعل اليمن مصيدة لعبد الناصر كي تستنزفه في حرب أهلية، وهذا يتطلب تشكيل إطار سياسي لمواجهة الناصرية، من خلال إعطاء دور لإسرائيل وتخفيف العداء السعودي الهاشمي، وهو ما تمّ فعلاً.

وقد نقلت صحيفة سلاح الجو الإسرائيلي فى عددها الصادر فى مايو 2008عن طيارين إسرائيليين مشاركتهم في مساعدة القوات الموالية لنظام الإمام بدر أثناء تصديها للجيش المصري الذي أُرسل إلى اليمن لدعم الثورة في ستينيات القرن الماضي.. ووفقا للصحيفة , فإن الطيران الإسرائيلي نفذ عددا من الطلعات الجوية فوق اليمن أسقط أثناءها السلاح والعتاد للقوات الموالية للإمام بدر في عملية أعطيت اسم “صلصة”.

الصحيفة كشفت قيام سلاح الجو الإسرائيلي بتنفيذ 14 طلعة جوية أسقطت أثناءها الأسلحة والعتاد العسكري والأغذية والمواد الطبية لمساعدة القوات الموالية للإمام بدر – آخر أئمة اليمن- في حربه ضد الجيش المصري وقوات الثوار اليمنيين.

وكشفت الصحيفة وثائق سرية عن ذلك وصورا لبعض الطيارين الإسرائيليين، إضافة إلى نشرها صورا لبعض من أسمتهم موالين للأمام بدر وبحوزتهم السلاح الإسرائيلي().

ويقر ايمري في كتابه بأن عدنان خاشقجي – الذي أصبح مقرّباً من فهد – بأنه كان قبل ذلك التاريخ على علاقة مع الإسرائيليين قبل أن تتضح تماماً في السبعينيات والثمانينيات الميلادية، وأنه هو الذي وفر ميزانية لشراء أسلحة واستقدام مرتزقة إسرائيليين وبريطانيين وفرنسيين وبلجيكيين وجنوب إفريقيين تم إرسالهم لليمن لدعم وتسليح القبائل اليمنية الموالية للسعودية والملكيين والمناهضة لعبد الناصر. ولكي يتم التواصل بشكل مستمر، افتتح مكتب ارتباط سعودي ـ إسرائيلي في بيروت تحت غطاء تجارى .

***

وتشير العديد من الوثائق الإسرائيلية إلى عمق العلاقات الإسرائيلية السعودية والتي وصفت هذه العلاقات بأنها علاقات سياسية واستراتيجية حقيقية مدعمة هذه الحقيقية بالعديد من الشهادات الإسرائيلية والتي يمكن أن نشير إلى نماذج منها:

– كتب “هيرش جودمان” مقالاً في صحيفة “الجيروزاليم بوست” في 12/10/1980 يقول هناك تفاهم واضح في العلاقات السعودية الإسرائيلية وخصوصاً في الفترة 1967-1973 يتعلق بإدراك آل سعود في الفترة (1967 – 1973 ) أنه إذا تحرشت مصر بالمملكة السعودية القليلة السكان والمتخمة بالمال والمؤيدة للغرب بشدة فإن حكام السعودية يعرفون أن إسرائيل ستتدخل للدفاع عنهم لحماية المصالح الغربية.

وفي مايو 1994 نشر خبير شؤون المخابرات يوسي ميلمان ودان رافيف بحثاً بعنوان “الأصدقاء بالأفعال” أسرار التحالف الإسرائيلي – السعودي جاء فيه “كان السعوديون رسمياً وعلنياً في حالة حرب ظاهرية مع إسرائيل إلا أن صانعي القرار في إسرائيل كانوا يدركون أن المملكة السعودية دولة تخدم مصالح إسرائيل وأن التنسيق بين آل سعود وإسرائيل يكون دوماً على أعلى المستويات وأن السعودية رغم استخدامها الخطاب المعادي لإسرائيل كانت على اتصال مستمر مع إسرائيل ففي حقل المخابرات التقى ضباط العمليات في المخابرات الإسرائيلية ” الموساد ” مع ضباط أمن ومخابرات الأسرة المالكة السعودية مرات كثيرة وتبادلوا وجهات النظر حول الطرق الواجب تطبيقها لإضعاف القوى القومية والتقدمية في المنطقة العربية أما المخابرات المركزية الأمريكية فكانت دوماً على علم بالاتصالات السرية السعودية الإسرائيلية وشجعتها باستمرار.

– ذكر الباحث الكساندر بلاي من معهد ترومان في مقال كتبه في مجلة العلوم السياسية الفصليـة “جيروزاليم كوارترلي” تحــت عنــوان ” نحو تعايش إسرائيلي – سعودي سلمي”..إن المملكة السعودية وإسرائيل قامتا ببناء علاقة حميمة وكانتا على اتصال مستمر في أعقاب حدوث ثورة اليمن عام 1962 بهدف ما اسماه “منع عدوهما المشترك” أي عبد الناصر من تسجيل انتصار عسكري في الجزيرة العربية وقال في موضع آخر أنه أجرى مقابلة مع السفير الإسرائيلي السابق في لندن آهارون ريميز(1970-1965) الذي أعلمه أن الملك سعود والملك فيصل كانا على علاقة حميمة مع إسرائيل وعلى اتصال وثيق معها.

– أثناء مؤتمر عقد في واشنطن في عام 1978 يتعلق ببحث التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط أشار أحد الخبراء العسكريين الإسرائيليين إلى أنه حدثت خلال الخمسة عشر عاماً المنصرمة ثلاث محاولات على الأقل للإطاحة بالعرش السعودي عن طريق اغتيال الملك ونحن على دراية بأن المخابرات الإسرائيلية تدخلت وأحبطت محاولتين منها لإدراك الإسرائيليين لأهمية الحفاظ على نظام آل سعود في المنطقة خدمة للأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية.

وأوضح هذا الخبير الاستراتيجي الإسرائيلي أن صحيفة دافار في العام 1978 نشرت ما يعزز قوله مشيراً إلى أن عدداً من مقربي شمعون بيريز اجتمعوا مع اثنين من المبعوثين السعوديين وقدم الإسرائيليون فيه معلومات حول مخطط لاغتيال عدد من أفراد الأسرة السعودية المالكة مقابل تقديم النظام السعودي خدمات جليلة لإسرائيل لم يفصح عنها.

– ذكر الباحث صموئيل سيفاف في كتابه الوثائق السرية الإسرائيلية أن النظام السعودي أعلم المسؤولين الإسرائيليين تقارير استخباراتية دورية عن الأوضاع في الشرق الأوسط وتحليلها وتقييمها.

وذكر نفس الباحث أن الخاشقجي التقى مع مبعوث لبيريز في لندن في العام 1983م بحضور روبرت ماكفرلين مستشار الأمن القومي في إدارة ريجان وقدم الخاشقجي تقريراً سرياً مؤلفاً من (47) صفحة للحكومة الإسرائيلية يحتوي على تفاصيل دقيقة عن أوضاع المنطقة واقترح في تقريره إنشاء برنامج تطوير اقتصادي للشرق الأوسط يشبه خطة “مارشال” واقترح أن تدفع الولايات المتحدة والمملكة السعودية والكويت مبلغاً وقدره (300) مليار دولار للاستثمار في إسرائيل والدول العربية التي تقبل عقد سلام معها.

***

ولأن تاريخ العشق التطبيعى بين أولاد العم (آل سعود والصهاينة) قديم ومتنوع المجالات والجغرافيا فلقد ذكرت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية بتاريخ 19/11/1991 أن السفير السعودي (الأسبق) في واشنطن الأمير بندر بن سلطان التقى مجموعة من زعماء الجالية اليهودية في نيويورك في منزل المليونير اليهودي تسفي شلوم وفيه أكد السفير السعودي أن الرياض ليست لديها تحفظات على سياسة إسرائيل في المنطقة.

مشيراً إلى أن هذه السياسة تخدم تماماً توجهات النظام السعودي وأن بندر نفسه أشرف على ترتيب زيارة سرية لوفد من أنشط عناصر الحركة الصهيونية إلى المملكة السعودية في نفس العام .. وقد ترأس الوفد الإسرائيلي ديفيد كمحي وقد تقدم الوفد بعدة مطالب وهي : الضغط على الدول العربية للتعجيل بإلغاء المقاطعة العربية وقطع المساعدات المالية عن الانتفاضة الفلسطينية ، العمل من خلال أصدقاء المملكة على وقف العمليات العسكرية في لبنان.

الخبير العسكري الإسرائيلي هيرش جودفان ، كتب للجيروزاليم بوست (12/10/1980) إن تفاهماً غير مكتوب أبرم بين إسرائيل والسعودية في الفترة الواقعة بين النكسة وحرب أكتوبر 1967-1973، يتيح لإسرائيل التدخل مباشرة وبالنيابة عن أميركا والسعودية لصالح الأخيرة في حال قررت مصر التحرّش بالسعودية المتخمة بالمال والمؤيدة من قبل الغرب. ويرى باحثون إسرائيليون بأن إسرائيل أنقذت السعودية مرتين: الأولى في بداية الستينيات من خلال مساهمة إسرائيل في حرب اليمن ضد عبد الناصر، والثانية عام 1967 حين قامت إسرائيل باحتلال سيناء وتكسير الجيش المصري. ويرى الباحث الكساندر بلاي بأن السعودية وإسرائيل أقامتا علاقة حميمة واتصالات قوية أخذت طابع الاستمرارية بعد حرب اليمن وكان الهدف المشترك هو منع عبد الناصر من اختراق الجزيرة العربية عسكرياً. وأكد بلاي بأن السفير الإسرائيلي السابق في لندن بين عامي 1965-1970 أهارون يميز قد أبلغه بعمق العلاقة التي أقامها الملكان سعود وفيصل مع الإسرائيليين في مواجهة العدو المصري، وهو أمرٌ أعاد تأكيده فرد هاليداي في كتابه ” الجزيرة العربية بلا سلاطين ” حيث أشار إلى أن فيصل طلب من إسرائيل التدخل لحمايته من عبد الناصر، وأن الأخيرة شحنت كميات كبيرة من الأسلحة، مستخدمة طائرات بريطانية وألقتها من الجو فوق مناطق نفوذ القبائل الداعمة للملكية اليمنية.

***

هذا ويحدثنا التاريخ السابق لما سمى زيفاً بربيع الثورات العربية (2011) نجد العديد من المؤشرات المتسارعة حول خريطة التقارب السعودي – الإسرائيلي فى السنوات السابقة:

1- كان الأمير تركي الفيصل سفير المملكة العربية السعودية السابق في واشنطن ورئيس جهاز مخابراتها الأسبق، أول من دشن هذا التوجه الانفتاحي العلني ولايزال يمارسه بقبح وفجر لا يليق بعرى أو لمسلم، بدأه عندما استقبل صحافيا إسرائيليا أثناء مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي الذي عقد دورته الشرق الأوسطية في منتجع شرم الشيخ فى ربيع 2006، وأعطى هذا الصحافي حديثا صحافيا مطولا نشره في صحيفته وتضمن مجموعة من النصائح لرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود اولمرت حول كيفية دفع عملية السلام في المنطقة. وبعدها بشهر تقريباً أكد تركي الفيصل أن بلاده تحاول إقناع الفلسطينيين بكل الوسائل بإتباع أسلوب المقاومة السلمية علي طريقة المهاتما غاندي، والتخلي عن الكفاح المسلح لعدم جدواه بسبب الفارق الهائل في موازين القوي لصالح الإسرائيليين.

2- فاجأت الحكومة السعودية المراقبين عندما تبنت موقفا متسرعا وواضحا ورد علي لسان متحدث رسمي باسمها أدانت فيه اسر حزب الله لجنديين إسرائيليين والتسبب بالعدوان الإسرائيلي علي لبنان، وحملت الحزب مسؤولية هذا العدوان ونتائجه، ولم تدن بكلمة واحدة الطرف الإسرائيلي الذي كان يدمر لبنان وعاصمته بيروت ويقتل المئات من أطفاله. وهو الموقف الذي امتدحه اولمرت علنا، وأكد انه ابرز تطور في هذه الحرب، لأنها المرة الأولي التي تحظي فيها حرب إسرائيلية بتأييد عربي وسعودي بالذات، وأدانه السيد حسن نصر الله زعيم حزب الله الذي طالب العرب بالوقوف علي الحياد علي الأقل إذا كانوا لا يؤيدون المقاومة، وقال بالحرف الواحد يومها (حلوا عنا) .

ويتضح مما سبق أن العلاقة السرية بين الكيانين أخذت طورا جديدا .. وهو ما يوضحه الكاتب الأمريكى ” سيمور هيرش ” الذى نشرته مجلة “نيويوركر ” في 5/3/2007م ، تحت عنوان “إعادة التوجيه” أشار فيه لخفايا الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ، وطبيعة المهمات التي تضطلع به حكومات عربية حليفة لواشنطن، وعلاقتها بالدولة العبرية.

يقول هيرش عن العلاقة بين المملكة وإسرائيل: إن التحول في السياسة دفع السعودية و” إسرائيل ” إلى ما يشبه ” العناق الاستراتيجي الجديد ” ، لا سيما أن كلا البلدين ينظران إلى إيران على أنها تهديد وجودي. وقد دخلوا (السعوديون والإسرائيليون) في محادثات مباشرة، حيث يعتقد السعوديون أن استقراراً أوسع في (إسرائيل) وفلسطين سيعطي لإيران نفوذاً أقل في المنطقة، ومن ثم أصبحوا أكثر تدخلاً في المفاوضات العربية الإسرائيلية. وخلال العام الماضي، توصل السعوديون والإسرائيليون وإدارة بوش إلى سلسلة من الاتفاقات ـ غير الرسمية ـ حول توجههم الإستراتيجي الجديد، وقد شمل هذا الأمر عناصر (أهمها) : طمأنة إسرائيل إلى أن أمنها هو الأمر الأسمى، وأن واشنطن والسعودية والدول الخليجية الأخرى تشاركها قلقها حول إيران.

وينقل سايروس فانس في مذكراته عن زيارة فهد للولايات المتحدة الأمريكية وبعد تأكيد رئيسها له على التزامه الذي لا يتزعزع بأمن (إسرائيل) وحينما يسأل (الملك) فهد عن رأيه يجيب “إن هذه السنة ميمونة للتوصل إلى حل شامل للمشاكل العربية الإسرائيلية” ولم يحدث أن توترت علاقة (السعودية) مع الولايات المتحدة الحامية الأقوى لدويلة (إسرائيل) وحتى بعض المواقف (السعودية) وحتى بعض المواقف (السعودية) والتي تبدو وكأنها مخالفة لسياسة أمريكا فإن ذلك “نوعاً من الخلاف بين الأحباب” كما يعبر عن ذلك فاسيليف مؤلف كتاب العربية السعودية هكذا كانت علاقة (السعودية) مع الدول التي تحمى (إسرائيل) وهكذا كان دورها الذي لا ينسى السعودية والمشاريع الاستسلامية ..

ينقل كارتر في مذكراته أن السادات “كان يرغب أن يعلن على الملأ بأنه غير راغب في إيجاد دولة فلسطينية مستقلة وهو يرى أن وجهة النظر هذه مشتركة بينه وبين السعوديين والعرب المعتدلين” هذه مع الحقيقة التي يكتمها (آل سعود) من موفقهم من كامب ديفيد ومن عدم قيام دولة فلسطينية مستقلة فالنظام (السعودي) لا يمتلك أي مشروع جدي يقضي بحل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً بل الاستسلام والتعايش مع (إسرائيل) بسلام هو مشروعهم الوحيد هكذا طرح فهد مشروعه الفاشل في (فاس) وتلاه الملك الراحل عبدالله فى مبادرة السلام العربية 2002، ثم سلمان وابنه محمد فى تواصلهم المباشر أو عبر وكلاء أمثال تركى الفيصل أو أنور عشقى، والحبل على الجرار !! كان يحوي هذا المشروع على ثمان نقاط أهمها انسحاب (إسرائيل) من جميع الأراضي العربية التي احتلت عام 1967م بما فيها القدس وإزالة المستعمرات التي أقامتها (إسرائيل) في الأراضي العربية بعد عام 1967م وخضوع الضفة الغريبة وقطاع عزة لفترة انتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة ولمدة لا تزيد عن بضعة أشهر وتأكيد حق دول المنطقة في العيش بسلام ومن ضمنها إسرائيل طبعاً، فقوبل المشروع بالرفض القاطع من قبل دول الرفض (سوريا وليبيا واليمن والجزائر) أما الدول البقية بما فيها الدول الخليجية فقد أيدت المشروع تبعاً (للسعودية) وما حقيقة هذا المشروع إلا دفع أمريكي لإشاعة روح الانهزام والتخاذل عن المطالبة بالحقوق المشروعة للمسلمين وخصوصاً الشعب الفلسطينية، وفي هذا اليوم لا نحتاج لإثبات الدور (السعودي) في إقرار أمن (إسرائيل) والاعتراف بها .

خامساً : العشق والمصلحة فى علاقات أولاد العم :

من الأمور المضحكة فى علاقة أولاد العم آل سعود والإسرائيليين أن ينكر (آل سعود) كل حين أنهم لا يطبعون مع العدو الصهيونى وعندما تشتد الحملة على مندوبيهم المطبعين أمثال (أنور ماجد عشقى) الجنرال المهان؛ يتبرأون منه وكأن (عشقى) يستطيع أن يذهب إلى حمام بيته بحرية ودون استئذان مشغليه، فلا الرجل ولا أى مسئول سعودى صغر مقامه أو كبر يجرؤ على أن يتحرك دون إذن من حكامه آل سعود أو أن يذهب لمدينة سعودية أخرى وليس دولة (ودولة عدو وفقاً للأعراف الإسلامية والعربية التى تدعى السعودية الانتماء إليها).

إن التاريخ يحدثنا بأن الملك الراحل (فهد) هو الذي دفع عدنان خاشوقجي رجله في مجال الاستثمار والمال إلى القيام بنقل يهود الفلاشا إلى إسرائيل والملك الراحل عبدالله (الذى صدعونا أنه عروبى !!) وهو أصلاً لا يفقه معنى كلمة عروبة، هو الذي دفع بندر بن سلطان السفير السعودي السابق في أمريكا ومسئول الأمن القومي الحالي لإقامة علاقات وزيارات وطيدة مع رجال الموساد إبان الحرب على لبنان (2006) والمعروف أيضاً أن الشركات الإسرائيلية التي تعمل في الرياض منذ الثمانينات وحتى اليوم وصل عددها (19) شركة وهي تحمل أسماء أمريكية حتى لا يغضب الرأي العام ويكتشف ازدواجية آل سعود التاريخية في إدعاء الإسلامية والعروبة في الوقت الذي يمارسون فيه التطبيع الاقتصادي مع عدو العروبة والإسلام!! ثم بماذا نسمي العلاقات النفطية والاقتصادية وصفقات شراء السلاح السنوية ـ التي لا تصل أصلاً ـ مع دول الغرب والتي تصب عوائدها في جيوب الصهاينة، أليس هذا تطبيعاً ودعماً غير مباشر لإسرائيل في الوقت الذي يبخلون فيه على أهل غزة وفلسطين بما قيمته 1% من هذه الصفقات الحرام، ويتركون أهلها يموتون جوعاً وحصاراً! وبماذا نسمي حوار الأديان مع شيمون بيريز والعشاء الفاخر لخادم الحرمين الراحل (الملك عبد الله) معه وقوله لشيمون (أثناء ازدراده للطعام : أسمعك آه … أصافحك لأ) على وزن أغنية الفنانة اللبنانية نانسي عجرم!! ثم أنه بعد ذلك خيب ظن نانسي ورفيقاتها وصافح الرجل بعد الأكل معه!! أليس هذا تطبيعاً؟!.

وبماذا نسمي مبادرة السلام التي روج لها ودفع الملايين للإعلان عنها رغم إسقاطها لحق العودة واحتواءها على بنود تفرض رفع العلم الإسرائيلي فوق العواصم العربية كلها بما في ذلك مكة المكرمة بعد قبول إسرائيل بعودة (شكلية) لحدود 1967!! أليس هذا تطبيعاً مجانياً مع عدو الأمة ومقدساتها!!

ولكن وحتى لا نحرق (المعلومات) والمراحل، دعونا نرصد بعض المحطات الأخرى للعشق والمصلحة بين أولاد العم .

***

(1) الأطماع الإسرائيلية في جزيرة العرب:

* منذ دخول المملكة السعودية، وما يحيطها من إمارات خليجية، ضمن منطقة نفوذ أمريكية خالصة، منذ اللقاء الذي جمع بين الرئيس الأمريكي (روزفلت) و(عبدالعزيز ابن سعود) في فبراير 1945، لم يحل دون أن يكون للحركة الصهيونية و(إسرائيل) منظورها المستقل بخصوص (شبه الجزيرة العربية)، رغم تمتع الأخيرة بذات المزايا التي وفرتها مظلة الأمان الأمريكية، ففي كتابة “أرض عظيمة وأمة عظيمة” يدعو أحد قادة حركة” من أجل أرض إسرائيل الكاملة”، وهو المدعو (تسفي شيلواح)، إلى ” فتح بغداد والكويت لإفساح المجال أمام غالبية اليهود كي يستقروا في وطنهم الذى يمتد بين البحر المتوسط وبلاد فارس”.

وسواء عكست مثل هذه الدعوات أشكالاً من الابتزاز الصهيونى للحليف الأمريكى أو الإرهاب المبرمج للأطراف العربية ، بغية انتزاع مكاسب جيواستراتيجية ، فالمتتبع لمسار الدعوات الصهيونية ، فى هذا الصدد ، سيلحظ تحقق بعض منها ، فى الآونة الأخيرة ، وخصوصاً بعد الغزو العراقى لـ (الكويت) فى العام 1990 ، والغزو الأمريكى لـ (العراق) ، فى العام 2003 ، واللذين ترتب عليهما مقدمات تفسح المجال – فعلياً – أمام النفوذ اليهودى ، فى (الكويت) و(العراق).

وكان (أرئيل شارون) عندما كان وزيراً للدفاع قد أعد محاضرة لحساب مركز ” جافى للدراسات الاستراتيجية ” بجامعة (تل أبيب) ، عام 1981 ، أشار فيها إلى ضرورة توسيع المجال الاستراتيجى والأمنى لـ (إسرائيل) بحيث يشمل ” تركيا وإيران وباكستان ومناطق مثل الخليج .. وأفريقيا ” ، وهى الدعوة التى أثارت تعليقات واسعة فى (إسرائيل) ، وكان منها الحديث حول الآثار المترتبة على تحول النفط العربى إلى نفط يهودى ، وذلك فى ضوء احتلال (الكويت) ، حيث لن يعود النفط سلاحاً عربياً بل مجرد وقود لا أكثر ، وهو ما حمل كاتب إسرائيلى آخر ، فى تلك الفترة ، على تحرير مقال حمل عنواناً ذا مغزى ، هو “استراتيجية لإسرائيل فى الثمانينيات ” وخلص فيه إلى أن إقليم ” شبه جزيرة العرب بأسره مرشح طبيعى للانهيار ” ، ” وخصوصاً فى السعودية سواء بقيت قوتها قائمة على النفط أم انخفضت على المدى البعيد”.

والمثير ، أنه لم تمض سنوات قليلة على تصاعد تلك الأحاديث حتى أصدرت (إسرائيل) عام 1986 قطعة نقدية معدنية ، نحاسية اللون ، من فئة عشرة أغورات ، وتحمل على وجهها الثانى اسم (دولة إسرائيل) ، باللغات العبرية والعربية والانجليزية ، ضمن خريطة نافرة ، تغطى المساحة الممتدة من دلتا النيل ، مروراً بـ ” سيناء وفلسطين ولبنان وسوريا والعراق” ، ثم إلى منطقة الخليج العربى ، امتداداً إلى جنوب (شبه الجزيرة العربية) ، والتى تجاوزت مساحتها كثيراً المساحة التى حددتها الخرائط الصهيونية السابقة ، مما يعكس تقنيناً لتوجه صهيونى ، يبغى تحويل الأمنيات القديمة إلى أهداف فعلية على الأرض منها: توفير أو زيادة فرص تدخل (إسرائيل) فى شئون (شبه الجزيرة العربية) ، بما يخدم مصالحها – أى ” إسرائيل ” – الاقتصادية والسياسية والأمنية .

– مقاومة أى توجه إلى انخراط دول (شبه الجزيرة العربية) فى التعاون أو الائتلاف والتضامن مع دول المواجهة العربية .

– الإبقاء على الخلل القائم فى ميزان التسلح لصالح (إسرائيل).

وبحسب أحد الباحثين الفلسطينيين فإن هذه الأهداف لم تكن محض خيارات نظرية ، لدى دوائر صناعة القرار الإسرائيلية ، وإنما برزت كأطر عامة تنظم جملة أنواع السلوك السياسى والعملى لـ (إسرائيل)، تجاه دول (شبه الجزيرة العربية) .

وفى هذا الإطار يعد مشروع ” الشرق الأوسط الجديد ” أبرز الأطر النظرية ، التى حددتها (إسرائيل) للعلاقة بينها وبين (العرب) فى المستقبل المنظور ، والتى تؤدى دول (الجزيرة العربية) فيها ، دوراً محورياً ، وذلك من خلال موضوعات التعاون المشتركة ، كالبنية التحتية للنقل والمواصلات ، والتى تشمل : طرق السكك الحديدية ، عبر المملكة العربية السعودية والخليج العربى ، والطرق السريعة التى تمر خطوطها عبر أماكن فى الخليج العربى ، والتى تطرح فيها مسألة التنمية والتطوير ، كوسيلة للترغيب والاستدراج إلى بناء هذا الأنموذج الجديد من ” الشرق الأوسط ” ، والذى سعت إدارة (بوش الابن) آنذاك إلى إعادة تبنيه تحت مسمى آخر ، هو ” الشرق الأوسط الموسع ” بغية تسويقه إقليمياً ، بعد تعثر الأنموذج الإسرائيلى الأصل ، بفعل القمع الإسرائيلى للانتفاضة الفلسطينية الثانية ، عام 2000 ولازالت المشاريع قائمة والانتفاضات فى مواجهتها أيضاً قائمة وآخرها انتفاضة السكاكين (2016) .

(2) مخطط استراتيجي للتواصل:

* إن مخزون الأفكار والبيانات لمتخذى القرار فى (إسرائيل) خاصة قبل ما سمى الربيع العربى (2011)، لم يعدم صياغة التصورات والمشروعات المتعلقة بالتعاون الاقتصادى بين (إسرائيل) ودول (الخليج) وعلى رأسها السعودية خاصة، حيث يُقدر الاقتصاديون الإسرائيليون زيادة فى الصادرات الإسرائيلية بمقدار الثلث ، فى حالة استيراد (السعودية) ودول الخليج عشرة بالمئة فقط من احتياجاتها من الواردات ، التى قدرت بأربعين بليون دولار ، فى العام 1991 ، من الدولة الصهيونية لذا بدت دول (شبه الجزيرة العربية) ، فى الخرائط الإسرائيلية ، المرتبطة بالمشروعات المقترحة ، جزءاً من الكيان الاقتصادى الشرق أوسطى الموحد ، الذى يخترق الحدود بالطرق الدولية ، وخطوط السكك الحديدية ، وشبكات الكهرباء ، وأنابيب النفط والغاز ، وقنوات المياه ، ومسارات الطيران وأنظمة الاتصالات ، حيث وضع الجانب الإسرائيلى المملكة السعودية فى صدارة قائمة الدول التى يتطلع إلى التعاون الاقتصادى معها ، وذلك بحسب ما أكده عام 1994 رئيس شعبة الميزانيات فى وزارة المالية (دافيد برودت) وذلك لكون السوق الأهم للصناعات الإسرائيلية بين الأسواق المستقبلية فى المنطقة هى السوق السعودية ، وما يقترن بذلك من مشروعات لنقل نفط دول الخليج عبر (إسرائيل) ،منها مشروع الاقتصادى الإسرائيلى (جدعون فيشلزون) ، الذى عرض عدة خيارات لإنشاء خمسة خطوط نفط جديدة تربط بين (إسرائيل) و(الأردن) ودول (الخليج العربية) ، هى :

أ – خط (ينبع – العقبة) ، بطول (950) كم ، الذى يتفرع من خط (رأس تنورة – العقبة.( ب–خط (رأس تنورة – العقبة) بطول (1550) كم.

ج – خط من (جنوب الكويت – العقبة) بطول (1300) كم .

د – خط يربط أنبوب (شركة نفط العراق) بخط (الكويت – العقبة) داخل (الكويت) أو بجوارها ، بطول (170) أو (270) كم .

هـ – تمديد خط (التابلاين إلى حيفا) بطول (1700) كم من (الخليج العربى – السعودية – الأردن) بمحاذاة الخط الأصلى لأنبوب شركة نفط العراق .

وبخلاف الخيار الأخير ، يتم نقل النفط فى الخطوط المقترحة من (خليج العقبة / إيلات) ، عبر خط (إيلات – عسقلان) على البحر المتوسط ، لذا ، جاء – وقتها – إنشاء ميناء فى (غزة) لاستخدامه لهذا الغرض أو لغرض تجارى مشترك – وهو خيار يتطلب – برأى (فيشلزون) شق طريق برى يمتد من الكويت أو من ميناء سعودى على الخليج العربى إلى العقبة ، فالبحر المتوسط ، وبذلك يدمج (فيشلزون) عملية نقل النفط بمشروع الطرق والمواصلات ، التى تربط بين (إسرائيل) ودول الخليج العربية، ثم الأهم والأخطر الآن هو استخدام آل سعود لجزيرتي تيران وصنافير المتنازل عنهما من مصر، لصالح دفع التطبيع الاستراتيجى بين السعودية وإسرائيل خطوات واسعة وخطيرة للأمام .

* لكل هذه الأهداف والمخططات أقيمت بين (إسرائيل) وبعض دول الخليج العربية وفي مقدمتها السعودية جسور اتصال وتفاهم متعددة ، كأحد ملامح ” الشرق الأوسط الجديد ” ، منذ إعلان الملك السعودى الراحل (فهد) عن مبادرته للسلام بين العرب و(إسرائيل) ، مروراً بمؤتمر (مدريد) للسلام فى العام 1992 ، فمبادرة الملك (عبد الله) للسلام ، فى (بيروت) ، فى العام 2002 ، وما صاحب ذلك من إقدام دول الخليج على إلغاء مقررات المقاطعة العربية لـ (إسرائيل) ، من الدرجتين الثانية والثالثة فى سبتمبر 1994 ، ثم انخراط بعض من هذه الدول فى علاقات اقتصادية وتجارية مباشرة مع (إسرائيل) مثل : (قطر) وسلطنة (عُمان) و(البحرين) (والسعودية)!!.

* وتمتد العلاقات الإسرائيلية / السعودية وتتشعب ولا تتوقف عند مبادرات الملك عبد الله ولا عند موقف دولته المخزى أثناء حرب لبنان ، لكنه يمتد بعمق التاريخ ويحمل حقائق مذهلة ، ولاتزال أصدائها ترج أركان الأمة خاصة بعد زيارة أنور عشقى إلى تل أبيب وتطبيعه المجانى بأمر الملك مع الصهاينة.

(3) روتانا والتطبيع مع العدو :

* لا يخفي على العقلاء من سياسي وإعلامي الأمة الحاجة الإسرائيلية التاريخية للتطبيع الإعلامي والثقافي مع مؤسسات الإعلام والثقافة في بلادنا، وأن العدو الصهيوني (بالمناسبة لا يزال عدواً رغم ميوعة البعض وتزييفه لطبيعة الصراع) ولا يزال يحاول وبدأب يومي اختراق إعلامنا إما مباشرة أو عبر وسائط بهدف تطويعه، ونزع قيم الصمود والمقاومة من داخله وإحلال قيم الاستسلام والهزل مكانها، هذا القول يأتى بمناسبة ما ينشر تباعاً عن علاقات تطبيعية بين الإعلام السعودى وأباطرة الإعلام والمال الصهاينة فى أمريكا مثل (مردوخ) وأيضاً مع الصهاينة فى فلسطين ومنذ عدة سنوات نشرت الكاتبة إيمان النقشبندي على موقع صحيفة (المدار)، من حقائق خطيرة عن علاقات مشبوهة لشركة روتانا الفنية التي يملكها الأمير الوليد بن طلال، مع إسرائيل، وكيف أصبحت بوابة للتطبيع الفني مع هذا العدو، وهو الأمر الذي يهدد ثقافتنا وأدبنا وفننا العربي، في البداية تذكر الدراسة أن أصحاب شركة إسرائيلية اسمها (نيوساوند إنتراكتيف م.ض) أن شركة (روتانا) كلفتهم بتمثيلها في إسرائيل لترويج وبيع إنتاجها الفني داخل إسرائيل.

ورفع أصحاب شركة (نيوساوند) وهما الإسرائيليان داهود امسيس ويوسف خلف، دعوة قضائية أمام قاضي المحكمة المركزية في تل أبيب، طالبا فيها بوقف بث الشركات الإسرائيلية للأغاني التي تنتجها (روتانا) إلا بعد الحصول على إذن من شركتهم (أي بعد بيع الشركة الإسرائيلية الأغاني للجهة العارضة)، بعد أن كانت شركات البث الإسرائيلية تبث هذه الأغاني مجاناً لعدم وجود وكيل حصري لـ(روتانا) في إسرائيل. كما شملت الدعوة التي رفعها أصحاب الشركة الممثلة لـ(روتانا) فرض غرامات على جميع مواقع الإنترنت التي بثت أغاني (روتانا)، بعد زمن توقيع عقد الشراكة بين (روتانا) و(نيوساوند).

وقدمت شركة المحاماة الشهيرة في إسرائيل (شيبوليت) بصفتها ممثلة لشركة (نيوساوند إنتراكتيف)، قدمت للمحكمة وثائق ومستندات صادرة عن شركة (روتانا) السعودية تكلف بموجبها الشركة الإسرائيلية بتمثيلها في إسرائيل، وذلك عن طريق أحد فروع (روتانا) في مصر.

محامي شركة (شيبوليت) من تل أبيب طلب من المحكمة استصدار أمر يوقف استعمال أغاني محسوبة لشركة (روتانا) فوراً، وأن يتم دفع مبالغ معينة من المال لمبعوثي شركة (روتانا) وهم أصحاب شركة (نيوساوند إنتراكاتيف م.ض) الإسرائيلية. واستند المحامون إلى مستندات ووثائق مأخوذة من إدارة شركة (روتانا).

صحيفة (آيس) الإسرائيلية نقلت عن محامي شركة (نيوساوند انتراكتيف) قوله (إذا لزم إحضار توكيل من شركة “روتانا” لإبرازه أمام المحكمة الإسرائيلية فإننا سنحضر التوكيل من “روتانا”).

أخطر ما في القضية أن القانون الإسرائيلي ينص على أن أصحاب الإنتاج الفني نفسه، أي (المطرب أو المطربة)، هم الوحيدون الذين يمتلكون حق طلب ثمن إنتاجهم من الإسرائيليين، وهذا معناه أن (روتانا) (وفقاً للقانون الإسرائيلي) قد وقعت على العقد نيابة عن عدد كبير من المغنين العرب، وإن أصحاب الإنتاج (المطربون العرب أنفسهم) هم الذين وكَّلوا شركة (نيوساوند) بتمثيلهم أمام المحاكم الإسرائيلية.

* ماذا تعني هذه الحقائق الخطيرة، إنها تعني من وجهة نظرنا الآتي:

1- أن شركة روتانا تفتح باب التطبيع الفني مع إسرائيل، لأهداف سياسية، وليس لأهداف مالية فهي لا تهمها هذه المئات أو الألوف من الدولارات فصاحب روتانا (الوليد بن طلال) حسب علمنا هو من أغنى مائة شخصية في العالم والأمر بالنسبة إليه ليس أمر مال، الأمر أمر سياسة، ويعتقد كثير من المتابعين لعلاقات دولته السرية بإسرائيل أن أعمامه وأخوته وعائلته الحاكمة في أرض الحجاز تعلم ذلك، وتباركه بل وربما هي التي طلبت منه ذلك.

2- نسأل وببساطة شديدة، أين نقابات مصر والوطن العربى الفنية من هذا العبث بحقوق مطربينا وبالدور الوطني لفننا وثقافتنا، وهي النقابات الرافضة لتطبيع وفقاً لقرارات وتوصيات جمعياتها العمومية، وما هو موقف المطربين والمطربات العرب مما يتم بأسمائهم في إسرائيل، وهل سيصمتون أم سيرفضون؟ وإذا رفضوا، كيف يحولون هذا الرفض إلى فعل جاد حقيقي يجبر (روتانا) على التراجع؟.

***

سادساً : القواسم المشتركة بين آل سعود والصهاينة :

يحدثنا التاريخ بوقائعه أن الدولتين تشتركان فى أنهما قامتا على أساس علاقة متشنجة مع الدين، وعلى وهم أن العالم الخارجي مستعد دائماً للانقضاض على الداخل!! والسعودية تبني جداراً عنصرياً عازلاً مع العراق وتضرب الآن اليمن بالقنابل المحرمة دولياً وتدمر سوريا بنفس طريقة إسرائيل في بناء الجدار العازل مع الفلسطينيين وفى قتلهم انطلاقاً من نقاء الجنس السعودي والجنس اليهودي ودنس الآخر الموجود خلف الجدار.

– تشترك الأسرة السعودية مع إسرائيل في امتلاك الروح العنصرية نحو الآخر (في الداخل والخارج).

– يتفق حكم آل سعود مع إسرائيل في أنهما نشأ بالعنف وسلاح الإرهاب ضد الآخر ووهم التوسع لدى كليهما لا يحده حدود جغرافية.

– جوهر فكرة الحكم السعودي والكيان الصهيوني تقوم على الاعتماد المستمر على الخارج ليس فحسب في (النشأة) بل في كل مراحل الحياة وحتى اليوم. ودعونا نفصل قليلاً :

إن الفهم الخاطئ لعدم تطبيع السعودية مع إسرائيل وأنها دولة مستقلة وتدعى الشريعة والإسلام النقى، كل هذا لايزال يحتاج إلى تفنيد، والأفضل أن يكون هذا التفنيد من داخل المملكة، وهنا مهم أن نقدم شهادات من داخل (السعودية) شهادات لعلماء وخبراء ومعارضين شرفاء لا يبغون سوى وجه الحقيقة، ونحسب أن شهادة الدكتورة/ مضاوي الرشيد، الباحثة والخبيرة في شئون بلادها، والمعارضة التي تعيش في لندن، وابنة العائلة الحجازية العريقة التي اضطهدها آل سعود (عائلة الرشيد) عبر التاريخ تعد هي الشهادة الأهم هنا، خاصة في ذلك الملف الشائك الذي لا يريد أحد من إعلامينا وسياسيينا المنافقين فتحه، ألا وهو: (العلاقات غير المعلنة بين السعودية وإسرائيل)، اليوم نقدم رؤية تحليلية رائعة للقواسم المشتركة بين المشروعين: (مشروع آل سعود، ومشروع آل صهيون)، وهي القواسم التي تفسر للأمة كلها لماذا يتحالف ويتآمر آل سعود مع الصهاينة والأمريكان سراً وعلانية ضد المقاومة العربية والإسلامية وفي مقدمتها المقاومة الفلسطينية؟ ولماذا تضخ المؤسسة الوهابية التكفيرية صباح مساء فتاوى تؤيد الإرهاب التكفيرى فى سوريا وسيناء والعراق وفى الوقت نفسه ترفض الجهاد الحقيقى ضد الكيان الصهيونى، وتكفر من يقم به من غير إذن ولي الأمر (ويا لها من نكتة عندما يكون ولي الأمر هم هؤلاء الحكام العرب المتحالفين مع واشنطن وتل أبيب؟!).

فماذا تقول دراسة الدكتورة مضاوي الرشيد، والتي نشرت قبل فترة ولكنها – ككل دراسة أكاديمية رصينة – لاتزال حية وجديرة بالقراءة ؟ .

* إن الدراسة تحمل عنوان (السعودية وإسرائيل: التقارب بين دول الجوار والجدار) وفيما يلي ملخص لأبرز ما احتوته هذه الدراسة القيمة للباحثة المتميزة لابنة الحجاز د/ مضاوي الرشيد.

***

ليست المصالح السياسية الآنية فقط هى التي تجعل التقارب السعودي – الاسرائيلي أمرا حتميا ظهرت ملامحه في الأشهر السابقة عندما توافق الطرفان في رؤيتهما السياسية خلال حربي لبنان وغزة (وكانت الدراسة قد صدرت بعد هذه الحروب) وإشادات القيادة الإسرائيلية بالمواقف السعودية وتحولت الفتاوي السعودية الي مادة دسمة تستهلكها الصحافة الاسرائيلية() وتم الاعلان عن لقاءات سرية بين القيادات في الدولتين تحت مظلة وسيط عربي. لهذا التقارب جذور وقواسم مشتركة تؤلف قلوب القيادات في كل من اسرائيل والسعودية. وليس قرار النظام السعودي انشاء جدار عازل بين السعودية والعراق الا رمزا لحالة التقارب الفكرية بين دولة صهيونية عنصرية واخري عربية تشاركها بعض البنية الفكرية والخلفية التاريخية. هذا التقارب نابع من مشتركات تجعل الكيان الاسرائيلي اكثر تشابها مع نظيره السعودي. لهذا التقارب عدة وجوه حددتها الدكتورة مضاوي في ستة:

(1) تقول د. مضاوي قامت دولة اسرائيل والدولة السعودية علي علاقة متشنجة مع الدين. الاولي استغلت نصوصا قديمة دينية في سبيل مشروع حديث طعم بالفكر القومي الاوروبي وخاصة المتصل بمفهوم الدولة القومية وجمعها لشتات اليهود المنتشرين في العالم. وتصدرت اسرائيل تمثيل هؤلاء في المركز الجغرافي والذي يحمل الرمزية الدينية وبذلك يستطيع توحيد الصفوف. كذلك السعودية والتي قامت هي ايضا علي تفعيل الخطاب الديني في مشروع سياسي بحت مستغلة بذلك رمزية الموقع الجغرافي وثقله عند المسلمين لتكسب شرعية ولو آنية حتي يتم تثبيت الدولة وهيمنتها. وبعد استتباب وتوطيد المشروعين السعودي والإسرائيلي نجد ان الدولتين ابتعدتا عن الخطاب التأسيسي الديني، مما ادي الي بروز أصوات منشقة تحاول إعادة المشروع الي جذوره الدينية وأخري ترفض المشروع ذاته. في إسرائيل تظل المجموعات الدينية متململة من علمانية دولة اعتبرتها سابقا مثالا حيا للمشروع اليهودي الأصل وكذلك السعودية حيث نجد إن بدايتها تزامنت مع تعالي الأصوات المنددة بتحول المشروع من مشروع ديني الي مشروع سياسي بحت انفصل عن خطابه التأسيسي الأول.

***

(2) ثم تنتقل د. مضاوي الرشيد إلى القاسم المشترك الثاني بين السعودية وإسرائيل فتقول: قامت الدولتان السعودية والإسرائيلية علي تفعيل الخلاف بين جغرافيتين الأولي جغرافية مدعاة ومزيفة اسمها: الداخل النقي الطاهر الذي يمثل روح المجموعة والخارج المعادي والآخر المتربص. ديمومة المشروعين الإسرائيلي والسعودي تعتمد علي هذا الانفصال حيث تتكون نظرة للعالم وكأنه جاهز للانقضاض علي الداخل الصافي. حدد صفاء الداخل بمصطلحات تعتمد علي انتقائية النصوص الدينية وتفعيل نظرية الاختيار الرباني لمجموعة خارجة عن السياق التاريخي ومختارة من قبل الإرادة الإلهية لتفعل دورها في العالم. النخبة اليهودية المسؤولة عن تحقيق الاختيار الرباني تجد نظيرتها في السعودية حيث ان المشروع السعودي اعتمد علي مفهوم الاختيار من اجل تحقيق بلورة الرسالة السماوية علي الأرض وتطهيرها من الشوائب والكفر والشرك. رسالة الدولة الإسرائيلية والسعودية تصبح مشروعا إلهيا يعتمد في تحقيقه علي مجموعة صغيرة مكلفة ومنتقاة من بين البشر. الحلم اليهودي بالعودة الي ارض الميعاد يقابله الحلم السعودي بتنقية الإسلام من شوائب وصفت وكأنها طغت علي ممارسته. مفهوم العودة الي الارض ومفهوم العودة الي اسلام صائب يجعلان من الدولة الاسرائيلية مرآة لنظيرتها السعودية والعكس صحيح. العودة ترتبط بحالة تشنج دائمة ضد مخاطر وهمية ترسمها الدولتان ولا تستطيعان ان تتخلصا من نظرية الخطر المفترض والحتمي.

***

(3) ثم يأتي العامل المشترك الثالث بين الدولتين (السعودية وإسرائيل) فتمحوره د. مضاوي الرشيد في أنه يتمثل في تقسيم الجغرافيا الي مناطق يقطنها ما يسمونه زيفاً بـ(الطاهر) وأخري يقطنها (المدنس) تجد تكريساً صريحاً في فكرة الجدار العازل الذي يفصل بين الجغرافيتين. إسرائيل تبني جدارا يفصل بين الداخل والذي يصور علي انه تحت التهديد والخطر والخارج الفلسطيني مصدر الخطر. كذلك السعودية بجدارها ذي الكلفة المرتفعة يفصل ما يصور علي انه الداخل السعودي الآمن والخارج العراقي الملتهب(). يقلب الجداران المعادلة وبينما إسرائيل هي المعتدية علي الفلسطيني ومصدر الخطر الأول والأخير. كذلك السعودية فهي تاريخيا من امتد وتوسع في العراق عن طريق هجرات متتالية من الوسط السعودي الي الطرف العراقي تعود جذورها الي مئات السنين ارتبطت هذه الهجرات بعوامل اقتصادية تارة وعوامل تاريخية دينية. وان كان هناك خطر ما فهو كان يأتي من الداخل السعودي وليس من العراق تماما كما هي الحال في فلسطين حيث ان اليهود أتوا من الخارج الي الداخل الفلسطيني ليشكلوا خطرا عليه. دول الجوار هي عادة مصدر هذا الخطر وليس المجموعات القاطنة خارج الجدار. تعزل إسرائيل الفلسطيني الأعزل وهي التي تقصفه يوميا والسعودية تعزل العراق وشعبه بينما نجد ان السعودي هو الذي هاجر الي العراق حاليا طلبا للجهاد ونشر الإرهاب (والآن عام 2016 هو فى سوريا والعراق ومصر وليبيا لنشر الإرهاب الوهابى التكفيرى (الكاتب) . هذا المهاجر ليس إلا امتدادا تاريخيا لحالات هجرة سابقة استوطنت العراق وبعضها غزاه طلبا لغنيمة يفتقرها في موطنه الأصل. تاريخيا غزت قبائل نجد العراق واستقرت به ولم يأت العراقي الي السعودية يوما ما وان اتي نراه وجد نفسه لاجئا في مخيمات صحراوية نائية يترقب عودته الي بلاده بعد صفقة سياسية تتم بين قيادات العراق السابق ونظيرتها السعودية.

***

(4) تنتقل د. مضاوي إلى القاسم المشترك الرابع بين حكم آل سعود وحكم آل صهيون فتبلوره في قولها: يتميز الكيانان الإسرائيلي والسعودي بالعنصرية أولا تجاه أطراف في داخل الكيانين وبين الكيان نفسه ومن هو خارجه. نجد ان في الداخل الإسرائيلي تمايزا بين اليهود أنفسهم حيث يتصدر يهود أوروبا المقام الأول لأنهم أصحاب المشروع منذ بدايته ويأتي اليهود الشرقيون والفلاشا وحتي الروس القادمون بعد إتمام المشروع في مراتب متدنية ويشكل هؤلاء حلقات بعضها يعاني من التمييز والدونية التي تعبر عن ذاتها في الإقصاء والابتعاد عن مركز القرار السياسي والاقتصادي ورغم محاولات إسرائيلية لدمج هؤلاء إلا أن التمايز والاقصائية لم يقض عليهما بعد بشكل تام.وفي الداخل السعودي نجد أيضا ان العنصرية والتمايز يلازمان تطور الدولة وتكريس هويتها الضيقة حيث تستثني وتستبعد هويات هامشية اخري لم تكن ضمن الجوقة والتي يعتقد انها اختيرت وانتخبت الهيا لبلورة المشروع الديني الأزلي. وكما في إسرائيل يبقي الجدل حاميا بخصوص من هو اليهودي الحقيقي الأصلي نجد أن في السعودية أيضا لا يصمت الجدل المختص بتعريف من هو المسلم الحقيقي مع الاستنتاج المسبق ان رعية الدولة الضيقة هي صاحبة الحق والكلمة الفصل في تحديد مواصفات هذا المسلم وخصائصه وصفاته.

***

(5) ثم تذهب د. مضاوي الرشيد إلى العامل المشترك الخامس بين دولة آل سعود ودولة اليهود الصهاينة في فلسطين متحددة في التقارب في الخصائص بين السعودية وإسرائيل ينطلق من كون الكيانين نتجا عن العنف ضد الغير. قامت دولة اسرائيل علي عنف منظم تحت مظلة ومباركة خارجية (بريطانيا) حتي نتجت عن هذا العنف حركة توسعية تستمد شرعيتها من الدين وجنودها من المستوعبين للخطاب الديني او الانتهازيين الذين يقتنصون الفرص التاريخية وكذلك كانت السعودية منذ بدايتها دولة اعتمدت علي الدعم الخارجي البريطاني والعنف المحلي لتثبيت مشروع متلبس بالدين ولكنه سياسيا بالدرجة الأولى. لم ينشأ الكيانان عن عقد اجتماعي او تكافؤ اقتصادي بين أطراف جغرافية متفرقة او وحدة ثقافية بين هذه الأطراف بل قام الكيانان علي العنف التوسعي وبسط الهيمنة بحد السيف وشرعية النص الديني المستغل للمشروع السياسي الآني. أسقطت أزلية النص علي محركين آنيين من اجل الامتداد. أدى هذا العنف الي دول بلا حدود وحتي هذه اللحظة تظل حدود الدولة العبرية معلقة ومبهمة وكذلك حدود المد السعودي والذي انحصر جغرافيا علي الأرض إلا أن مشروع الهيمنة السعودية يبقي عالميا لا يعرف مفهوم الحدود. التوسع السعودي والتغلغل في العالم العربي والاسلامي وحتي الغربي يجعل هذا الكيان مملكة بلا حدود() والتوسع الاسرائيلي الجغرافي يظل عالقا علي مقدرة الدولة دون تحديد لمساره المستقبلي لان ذلك يظل رهينة القدرة علي استعمال العنف ضد الغير.

***

(6) ثم تختتم المعارضة والباحثة الحجازية الفذة (د. مضاوي الرشيد) دراستها لكشف البعد والقاسم المشترك بين الكيانين السعودي والإسرائيلي حين تقول: يعتمد الكيان السعودي والاسرائيلي علي العنصر الخارجي ليس فقط في بداية المشروع بل من اجل استمرارية هذا المشروع. حتي هذه اللحظة لا تستطيع السعودية او اسرائيل ان تقف علي قدمين صلبين دون الدعم والمساندة من الخارج. هشاشة الكيانين تتطلب العنصر الخارجي لانهما مشروعان يتصفان بهشاشة الشرعية وتزويرها. تنبع هذه الهشاشة من تجنيد الخطاب القديم الديني في سبيل مشروع حديث لا يمت بصلة الي هذا الخطاب القديم وتنبع ايضا من تزوير الحقائق التاريخية وربطها بمحاولات لشرعنة العنف الموجه ضد الآخر. وبـــدون الدعم الخارجي المعنوي والمادي والعسكري تسقط المنظومة الاسرائيلية ونظيرتها السعودية ولا يبقي سوي كيانات مرتجفة تعتاش علي تصوير نفسها وكأنها تكثيف لمعني الطهر والنقاء الذي يعاني من مخاطر ازلية وقوي شريرة تحاول النيل منه وتقويض دعائمه.

***

* وبعد …

إن التقارب السعودي الإسرائيلي الحالي الذى كشفته الزيارة الأخيرة لأنور عشقى إلى إسرائيل ما هو إلا تقارب لكيانات تشترك في خصائص معينة وتؤدى وظيفة إقليمية للغرب وأمريكا واضحاً للعيان .

* إن العلاقة السرية الدافئة بين السعودية وإسرائيل، والتي قادها من قبل الملك عبدالعزيز ثم أولاده جميعاً وتحديداً الملك فهد، ويقودها اليوم بندر بن سلطان وتركى الفيصل وأنور عشقى ومحمد بن سلمان والملك سلمان ذاته، ليست مفاجأة لأحد، فالتقارب بين الكيانين، تقارب ممتد منذ النشأة وحتى الوظيفة السياسية والاقتصادية لكليهما في خدمة الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة والعالم، ولن نفاجأ غداً إذا علمنا أن العلم الإسرائيلي يرفرف فوق الرياض، وربما (للأسف) فوق مكة، وفقاً لشروط ما يسمى بمبادرة السلام العربية ذات الصناعة السعودية والتي أطلقها الملك الراحل عبد الله عام 2002 بعد أن صاغها له الكاتب اليهودي الأمريكي الشهير/ توماس فريدمان، لن نفاجأ، فالأشقاء يتقاربون عادة، سراً وعلانية، حتى لو بدا نظرياً أن ثمة تباعد بينهما في الرؤى والسياسات، إلا أن الواقع والتاريخ والشواهد تؤكد عكس ذلك، تؤكد الحتمية والترابط الوثيق، ولا عزاء للأمة، ومقدساتها الأسيرة في مكة والمدينة، طالما أمثال الجنرال “المطيع” أنور عشقى وأميره تركي الفيصل ووزير خارجيته عادل الجبير يمارسون – هم وعشرات غيرهم من السعوديين – الآن وبأوامر ملكية واضحة من الملك (سلمان) وابنه محمد (الملك الفعلى نتيجة مرض والده بالزهايمر) ها هو التطبيع العلنى يطل رأسه بعد رحلة طويلة من الخفاء، والمداراة والكذب، ولكن هل سينجح وهل سيحقق أهدافه فى ضرب إيران وتفكيك مصر وسوريا والعراق عبر وكلاءهم من الجماعات الوهابية المتطرفة ؟ الإجابة وبدون تفصيل منا : ))لا .((.. لأن المقاومة للمشروع الصهيونى. ومن يتحالف أو يطبع معه صارت لدى شعوب أمتنا، بمثابة (العقيدة) ومن يتنازل عن عقيدته حتماً سيفشل، وسيُهزم مهما التحف بأسلحة وعباءات وأساطير كاذبة.. وهذا هو المصير الحتمى للتطبيع بين آل سعود والصهاينة، إن لدينا العديد من الأوراق والوثائق حول هذه القضية التى نأمل أن يقدرنا الله فى إصدارها فى عمل موسوعى قريباً، فقط أردنا أن نكشف الغطاء قليلاً عن هذا التاريخ المخزى لمن يدعون حماية مقدسات المسلمين والعرب، وفى ذات الوقت يعشقون حتى الثمالة قاتلوا هؤلاء المسلمين والعرب !! فلا نامت أعين الجبناء (المطبعين). ومن وآلاهم !!.

(واللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (سورة يوسف الآية 21)

د. رفعت سيد أحمد

اخبار ذات صلة

ارسال التعليق