قمة انطلاق السباق نحو " تل أبيب"

ذات يوم تمت استتابة ابن عثيمين حين سئل عن المعية في قوله تعالى "وهو معكم أينما كنتم"، فأجاب بأنّ "ابن تيمية يقول أنها معية بالعلم، أي انه مع الناس بعلمه، ولكن لا يوجد دليل في الآية بأنّ المعية محصورة بالعلم، فقد تكون المعية بكيفية لا يعلمها إلّا الله، بنصره بتأييده أو بذاته"، فقامت قيامة الوهابية ولم تقعد على ثاني أكبر سدنة معبادها، فاستدعاه كبيرهم بن باز واستتابه.

وتم كتابة صك "استتابة بن عثيمين" على غرار صكوك الغفران الكنسية في العصور الوسطى، وقال بعدها بن عثيمين "أعترف أني رجل جبان"، والواضح أنه لم ينف رأي بن تيمية بل فقط أضاف إليه، وهذا ما استدعى استتابته من الزندقة والكفر البيّن، فكيف لو قام بالنقد أوالنقض، لكان مرتدًا ونُصبت له المشانق في الميادين العامة. ثم نشعر بالدهشة والصدمة لرؤية الدواعش وأشباههم، ونشعر بصدمة أشد ونحن نتساءل ببلاهة عن أسباب تكفيرهم لكل المذاهب الإسلامية، من هذه البلاد يحدثوننا عن الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية في سوريا، من تلك البلاد التي تعبد إلهةً من رفات جاء الجبير ليتربع على عرش القمة العربية.

ويبدو البيان الختامي لقمة الخيبة-الخيمة- مقارنة ببيانات نصف العقد الأخير-أي منذ اندلاع ما يسمى بالربيع العربي- شديد الوطنية والقومية، حيث كان من اللافت أنه لم يدع حلف الناتو للاعتداء على أي قطر عربي، ومن الجليّ أن هذه الدعوة لم تصدر كون آل سعود من خلال دعم الإرهاب تفوقوا على الآلة الحربية التدميرية للناتو، فهم بأوامر أمريكية يمارسون حرب استنزاف مريرة ضد سوريا وحزب الله والعراق وليبيا واليمن. كما كان لافتًا تركيز كل المتحدثين على قضية فلسطين باعتبارها القضية العربية الأولى، حتى الجبير ونائب رئيس وزراء البحرين، وقد كنا قديمًا نتعامل مع هذه الديباجات باعتبارها للاستهلاك الإعلامي، ولكنها في هذه القمة كان وقعها مختلفًا، حيث أنها اتخذت زخمًا غير مسبوق وهو ما يجعل الأمر أكثر ريبة، حيث يبدو أن هناك رسالة نصية ووصلت إلى كل الوفود بضرورة تخصيص فقرة من الخطاب العلني لمركزية فلسطين، خصوصًا مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ ممثل العائلة السعودية اللواء أنور عشقي كان في زيارة رسمية إلى كيان العدو عشية انعقاد القمة. وقد يكون الأمر لسببين، أولهما ما أثارته الزيارة من حنق شعبي على مواقع التواصل الاجتماعي حد مطالبة البعض للحكومة السعودية بمعاقبة عشقي وجلده وحتى إعدامه، وبما أنها لن تفعل فقد ارتأت في الإيعاز للوفود بالتركيز على فلسطين امتصاصًا لنقمةٍ داخلية دون الاضطرار لمعاقبة المذكور، وثانيهما على طريقة الصحاف وزير الإعلام العراقي الأسبق، حين كانت عبارة "سينتحرون على أسوار بغداد" مدخلًا ضروريًا لإعلان الاستسلام.

وكان لافتًا أيضًا التركيز على المبادرة الفرنسية للسلام والتجاهل التام للمبادرة المصرية، وهو ما تزامن مع غياب الرئيسين المصري والفلسطيني والملك السعودي أو ولي عهده، حيث سجل كل منهم حجة غياب، ويبدو أن الرئيس المصري عرف أن مبادرته لن يكون لها حظوظ المبادرة الفرنسية مقابل الإصرار السعودي على تبنيها، فيما أبو مازن صديق الجميع لا يريد أن يوضع بين المطرقة المصرية والسندان السعودي فآثر سلامة عدم الحضور، فيما الملك السعودي لا يريد صدامًا مباشرًا مع القاهرة وفي ذات الوقت لا يريد لها تفلتًا من سطوته المالية، وهذا ينم عن رغبة سعودية بالإمساك بملفات المنطقة حتى يتسنى للجبير توزيعها كما عرض على روسيا أولى القطع، فليس مسموحًا لمصر أن تأخذ زمام المبادرات في ظل التغول السعودي على القرار العربي تحت طائلة الرشوة أو الإرهاب أو كلاهما معًا، ويصح أن نطلق على هذه القمة قمة اطلاق السباق نحو "تل أبيب"، فكل طرفٍ من تلك الأطراف يسعى ليكون صاحب الحظوة لتمنحه تلك العاصمة اللقيطة مفاتيح إغلاق القضية الفلسطينية إلى الأبد، عبر حلولٍ تطبيعية استسلامية في قوالب سلام أو بالأحرى مقالب سلام، حيث بدأت الأطراف العربية بالإضافة إلى تركيا بتنفيذ رؤية نتن ياهو للسلام، فالتطبيع أولًا ثم الحديث عن حلول عاشرًا، وقد تقوم القيامة وثاني اليهود لم يأت بعد، فأنَّى عاشرهم.

في عشرينيات القرن الماضي حين رفضت حكومة مصطفى النحاس في مصر الإنذارات البريطانية التي تنذرها من سن تشريعات تعطي حرية نسبية للشعب، أطاحت بها بريطانيا ونصّبت حكومة أقلية استبدادية، ثم وقف تشمبرلين وزير خارجية بريطانيا العظمى آنذاك أمام برلمان بلاده في تبرير لتلك الإطاحة قائلًا "لن نسمح لأي سلطة سواء كان هناك دستور أو لم يكن بأن تهمل التحفظات البريطانية بشأن الاستقلال، فمهما كان نوع الحكومة التي يختارها الملك فؤاد يجب عليها أخذ تلك التحفظات بعين الاعتبار وتقديم الترضيات بشأنها". ماذا لو استبدلنا بريطانيا بأمريكا وتشمبرلين بكيري ومصر بكل الدول العربية وعلى رأسها السعودية، فهل يظل من يشك بأنّ التاريخ سلسلة واحدة ومترابطة وإن تباعدت حلقاتها؟ الفرق الوحيد أنّ هناك في سوريا حكومة ترفض هذا المنطق وتُعجز كل المعتدين عن الإطاحة بها، ولكنهم لم ييأسوا بعد، فها هو الجولاني يستعد لارتداء ربطة عنق كناية الاعتدال بل كناية عن العلمانية والليبرالية وقد نراه يخطب ذات جمعة عن حقوق المثليين إن اقتضت مصلحة تشمبرلين، أقصد مصلحة كيري ذلك، فحين تعجزك القوة عن إجبار الأعداء على قبول التحفظات فعليك بالسياسة، حيث إذا كان الأسد يرفض تحفظاتنا فلنضع في حكومته من يقبلها ويطبقها.

26/7/2016

اخبار ذات صلة

ارسال التعليق