إتفاق سري للقاعدة في اليمن مع السعودية بعلم الولايات المتحدة
معلومات لم تکشف عنها حول الأسباب الرئيسية للهجوم على اليمن

في أواخر سبتمبر 2014، سيطرت حركة أنصار الله اليمنية على العاصمة صنعاء وثلاثة أرباع أراضي البلاد. وقد أعطى ذلك السعوديين ذريعةً لإضفاء الطابع الديني والطائفي علی أطماعهم في اليمن على الفور، لتحويل اليمن إلى ساحة معركة غير متكافئة.

 

ولا شك أن "البعد الاقتصادي" هو أحد أهم أبعاد الحرب اليمنية، وهو مخبَّأ في ظل الأبعاد السياسية-العسكرية-الدينية الثلاثة ولم يلاحظه أحد. وبالطبع، في البعد الاقتصادي للحرب اليمنية، فإن "موارد النفط والغاز" في هذا البلد هي أهم سبب للعدوان العسكري السعودي والإماراتي على اليمن.

 

موارد لم يتم استخراجها منذ الثمانينيات

 

قبل فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، قال في إحدى خطاباته الانتخابية: "إنهم (السعوديون) يطمعون في أرض اليمن ... إذا كنت لا تعرف السبب الحقيقي، فيرجى منك مغادرة المکان الآن ... لأنك لا تفهم جوهر الموضوع ... هل انتبهت إلى الحدود المشتركة للسعوديين مع اليمن؟ ... هل تعرف ما هو على الجانب الآخر من الحدود؟ ... النفط ... نعم النفط ... إنهم يطمعون في موارد اليمن النفطية".

 

وفقًا لتصريحات ترامب، فإن السبب الرئيسي للعدوان العسكري السعودي على اليمن، هو المخاوف الاقتصادية السعودية بشأن استمرار تصدير نفطها من مضيق هرمز، وخاصةً بعد أن هددت طهران بإغلاق هذا المضيق ومنع عبور ناقلات النفط منه، في حال تعرضت مصالحها للخطر.

 

لذلك، تحاول السعودية أن يكون لديها بديل لمواصلة صادراتها النفطية إذا تحققت تهديدات طهران، والخيار الأول هو "الموانئ" و"خطوط نقل النفط" في اليمن. وقد تم اقتراح هذا الخيار قبل سنوات تحت عنوان خطة لبناء خط أنابيب لنقل النفط السعودي من اليمن، ولكن لم يوافق عليه الديكتاتور اليمني السابق "علي عبد الله صالح".

 

تشترك السعودية وهي أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم، مع اليمن وهي واحدة من أفقر دول العالم، حدوداً تصل إلی 266 كيلومترًا، مع فارق أن صحاري اليمن القاحلة والجرداء تمتلك أكبر احتياطيات في العالم من النفط والغازات البترولية المسالة، وخاصةً في محافظة "الجوف" التي لديها حدود مشتركة مع السعودية.

 

الأهمية الإستراتيجية لليمن وميناء "باب المندب" في معادلات الطاقة العالمية

 

أصدرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية(سي.آي.إيه) تقريراً سرياً عن كمية احتياطيات النفط والغاز في اليمن عام 2002، جاء فيها: "أظهرت نتائج المسوح الجيولوجية في اليمن أن هذا البلد لديه احتياطيات ضخمة من النفط والغاز".

 

ويضيف التقرير: "التقديرات الأولية تقدر حجم هذه الموارد الجوفية عند 9.8 مليار برميل، وهو ثلاثة أضعاف الرقم الرسمي الذي سجلته الحكومة اليمنية".

 

کما يؤکد التقرير أن "الرقم 9.8 مليار برميل من النفط هو تقدير مبدئي وليس تقديرًا نهائيًا، حيث توجد معلومات تؤكد أن حجم احتياطيات اليمن من النفط تحت الأرض في جنوب البلاد وحده، يتجاوز 5 مليارات برميل من النفط".

 

وهذا ليس شيئًا لا تعرفه السعودية، بل منذ الثمانينيات كان هذا الأمر أحد الأسباب الرئيسية وراء منع السعودية استخراج النفط اليمني في المحافظات الحدودية للبلدين، بذريعة تهديد احتياطيات النفط السعودية.

 

ومع ذلك، عندما أعلنت شركة "هانت أويل" الأمريكية عام 1984 عن اكتشاف حقل نفط كبير جدًا في محافظتي "الجوف" و"مأرب" اليمنيتين، وقعت عقدًا مع الحكومة اليمنية آنذاك لاستكشاف واستخراج النفط من هذه الحقول. وفجأةً ولأسباب غير معروفة، توقفت عمليات استکشاف النفط واستخراجه، ثم توقف العمل كله.

 

وفي وقت لاحق، في عام 2013، كشف وزير الداخلية اليمني السابق أن سبب توقف عمل شركة هانت أويل کان السعودية، التي أجبرتها من خلال الضغط على الشركة، على تعليق أنشطتها في اليمن.

 

وفي هذا السياق وفي نفس العام (2013)، نشرت قناة "سكاي نيوز" تقريرًا يؤكد أن اليمن لديه 34٪ من احتياطيات النفط العالمية، وأكبر حقل نفطي في هذا البلد يقع في محافظة الجوف المتاخمة للسعودية.

 

ولهذه الغاية، وقعت وزارة النفط اليمنية عقدًا مع الشركة اليمنية "صافر" في العام التالي لاستكشاف واستخراج الموارد النفطية من محافظة الجوف، ولكن في موقف مثير للدهشة والذهول امتنعت هذه الشركة، مثل الشركة الأمريكية هانت أويل، عن استمرار العمل وأوقفت أنشطتها بالکامل. هذا في حين أن شرکة صافر کانت قد أعلنت عن اكتشاف حقول هيدروكربونية وملايين الأمتار المكعبة من الغاز في محافظة الجوف.

 

ومن المثير للاهتمام أن السعودية وقعت عام 2000 اتفاقاً مع اليمن، اتفق بموجبه الجانبان على عدم إجراء عمليات استكشاف واستخراج على حدود مشتركة تصل إلى عمق 40 كيلومتراً على أراضيهما، إلا بالاتفاق والتنسيق فيما بينهما، كما يجب تبادل المعلومات في مجال النفط والغاز في المناطق الحدودية المشتركة بانتظام. وهذا يعني أن السعودية لم تکن تسمح لليمن باستغلال حقول النفط والغاز على أرضه بعمق 40 كيلومترًا.

 

وأظهر العدوان العسكري السعودي على اليمن أن السعوديين کانت لهم أطماع في المحافظات الغنية بالنفط في اليمن أيضاً، بالإضافة إلى المناطق الحدودية المشتركة.

 

ثلاث محافظات نفطية تحدد بوصلة العمليات العسكرية السعودية

 

عندما بدأ العدوان العسكري السعودي على اليمن في مارس 2015، تحت غطاء إعادة السلطة إلى "عبد ربه منصور هادي" التابع للسعودية، انخفض إنتاج النفط الخام اليمني من 16 ألف برميل يوميًا إلى 150-100 برميل يوميًا، وذلك بسبب مغادرة شركات النفط.

 

وكانت شركة "توتال" واحدة من تلك الشركات وأكبر مستثمر في قطاع الغاز اليمني، والتي اعترفت بأن منشآت الشركة لم تتعرض للهجوم من قبل السعودية، لکي تستولي عليها الإمارات والسعودية بعد انسحاب توتال.

 

النفط هو العمود الفقري للاقتصاد اليمني، حيث يشکل 70٪ من الإيرادات و63٪ من الصادرات و30٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وكان إنتاجه يتم بشكل رئيسي في محافظات شبوة ومأرب وحضرموت الثلاث، وقد سارت العمليات العسكرية السعودية على مدى السنوات الست الماضية بحيث تکون هذه المناطق محميةً من الصراع.

 

محافظة حضرموت، في شرق اليمن، هي أكبر منتج للنفط في هذا البلد، وتجذب انتباه السعودية ليس فقط في الحرب الأخيرة بل قبل سنوات أيضًا. وعندما استفادت شركة "اجيب" النفطية الإيطالية من اكتشاف واستخراج النفط في حضرموت عام 1979، أعلنت أنها حددت حقول نفط كبيرة في المحافظة، ولكن على عكس التوقعات وبدلاً من بدء الاستخراج، توقفت عن العمل فجأةً وغادرت اليمن، سيتضح لاحقًا أن الضغوط الإقليمية والدولية هي التي أدت إلى خروج "اجيب" من اليمن.

 

وفي هذا الصدد، نشرت "ويكيليكس" وثائق سرية من وزارة الخارجية السعودية، تظهر أن السعودية شكلت لجنةً برئاسة وزير الدفاع السعودي آنذاك "الأمير سلطان"، لرصد أنشطة اجيب وشركات نفط أخرى في اليمن، وقد تسببت ضغوط نفس هذه اللجنة في خروج اجيب من اليمن.

 

لذا، فإن اهتمام السعودية بحضرموت يعود إلى سنوات عديدة، وفي العدوان العسكري الأخير لم تتعرض هذه المحافظة أبدًا لهجوم جوي أو صاروخي سعودي، على الرغم من أن تنظيم القاعدة قد احتل مدينة "مکلا" عاصمة المحافظة وأحد أهم الموانئ في بحر العرب وليس ميناء حضرموت فحسب.

 

كما أفادت وكالة "أسوشيتد برس" أن السعودية وقعت اتفاقيةً سريةً مع القاعدة بعلم البيت الأبيض، تنسحب بموجبها من بعض مناطق اليمن الوسطى والجنوبية مقابل استلام ملايين الدولارات، وتبقی المنشآت الاستراتيجية والحيوية في هذه المناطق مثل الموانئ، في مأمن من الهجمات السعودية.

 

دخول الإمارات إلی اليمن بأهداف مماثلة للسعودية

 

دخلت الإمارات، مثل السعودية، الحرب في اليمن لتحقيق مكاسب اقتصادية. وكان الهدف الأهم للإماراتيين هو توفير الغاز الذي يحتاجونه، والذي واجهوا مشاکل في توفيره منذ حصار قطر (کانت قطر توفر ثلث غاز الإمارات)، وبالتالي فإن الهيمنة على محافظة "شبوة" الغنية بالنفط والغاز کانت ستحل مشاكل الإمارات في مجال الطاقة.

 

وقد دفع ذلك الإمارات إلى تركيز اهتمامها على المحافظات الجنوبية لليمن بمجرد الدخول في هذه الحرب، والسيطرة على مدينة "عدن" الجنوبية ومضيق "باب المندب" خلال عملية "السهم الذهبي"، وبعد ذلك سيطرت على محاظة شبوة. وبعد ذلك ومن أجل تعزيز سيطرتها على منشآت وموانئ شبوة النفطية، شكلت قوةً خاصةً من السكان المحليين كان هدفها الحقيقي منع الحكومة اليمنية من استخراج النفط.

 

كانت محافظة مأرب ثالث محافظة يمنية غنية بالنفط، کما کانت البوابة الشرقية للعاصمة وأقرب منطقة إستراتيجية من صنعاء سيطر عليها أنصار الله، لذا أصبح الاستيلاء على هذه المنطقة الغنية بالنفط أولويةً بالنسبة للسعودية والإمارات.

 

وبعد الاستيلاء على مأرب، انتقل إليها مقر الحكومة التابعة للسعودية، وکانت تعتبر أيضاً مركز نشاط شركة النفط اليمنية "صافر"، وكانت السعودية تحاول دائمًا الاستيلاء عليها.

 

برنامج تنمية وإعمار اليمن

 

كان "برنامج تنمية وإعمار اليمن" أحد الأحداث التي كشفت عن الأطماع الاقتصادية للأطراف المشاركة في الحرب اليمنية. أعطى هذا البرنامج للسعودية سلطة التدخل والاستيلاء على مصادر الدخل اليمنية، بما في ذلك النفط والغاز والموانئ والموانئ البحرية. ووفقًا لهذا البرنامج أيضًا، کانت السعودية تتدخل في الاقتصاد اليمني وفقًا لتقديراتها الخاصة، ودون الاهتمام برأي الحكومة اليمنية التابعة لها.

 

وبالتوازي مع برنامج تنمية وإعمار اليمن، رسمت السعودية خطةً أخرى لمستقبل الحرب في اليمن، أولت فيها اهتمامًا خاصًا بالمحافظات الغنية بالنفط. وكانت نتيجة هذه الخطة اتفاقية "جدة"، والتي دعا أحد بنودها إلى انسحاب القوات المدعومة من الإمارات من جميع الأراضي التي سيطرت عليها، بما في ذلك محافظتي شبوة وحضرموت.

 

النفط يرسم سيناريوهات المستقبل

 

وبناءً على ذلك، فإن أي سيناريو يتم وضعه لنهاية الحرب في اليمن، ستلعب الاعتبارات الاقتصادية بما في ذلك النفط، دورًا رئيسيًا فيه. وفي الوقت نفسه، ستحاول كل الأطراف المعنية تنفيذ سيناريو يأخذ بعين الاعتبار أهدافها الاقتصادية، وسيكون أحد هذه الأهداف المشاركة في حقول النفط والغاز في محافظتي مأرب والجوف، اللتين تحتويان علی أكبر حقل للنفط في شبه الجزيرة العربية.

 

کما لا ينبغي أيضاً تجاهل سيناريو الفصل بين جنوب وشمال اليمن. وفي هذا السيناريو أيضاً، يعتبر النفط العامل الأكثر أهميةً في تحفيز القبائل الجنوبية، وخاصةً في شبوة وحضرموت، اللتين تمتلكان 80٪ من موارد اليمن النفطية.

 

المصدر : موقع الوقت 

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق