كيف سيَرُد السيّد نصر الله على تحدّي الدكتور جعجع بالطّلب من حُلفائه ضخّ مِليار دولار في المصرف المركزي اللّبناني لإنقاذ اللّيرة؟ ولماذا يتزامَن هذا الطّلب مع زِيارة السّفيرة الأمريكيّة لقصر بعبدا؟ وهل التوجّه شَرقًا ما زال أقصر الطّرق لحَل أزَمات لبنان؟
مقالة افتتاحية في صحيفة رأي اليوم

نزَلَ الدكتور سمير جعجع قائد حزب القوّات اللبنانيّة إلى ميدان “المُناكَفةِ” عندما طالب السيّد حسن نصر الله زعيم المُقاومة اللبنانيّة بالتوجّه شرقًا ومُطالبة حُلفائه مِثل الصين وإيران بإيداع وديعةٍ بمِليار دولار في المصرف المركزيّ اللبنانيّ لإنقاذ العُملة المحليّة (اللّيرة) وحل أزمة الدّولار بالتّالي، أُسوةً بالمملكة العربيّة السعوديّة ودول الخليج.

 

هذا التحدّي جاء ردًّا على ما ورد في خِطاب السيّد نصر الله الأخير الذي قال فيه إنّ الطّريقة الأمثَل للرّد على حرب الدّولار، والعُقوبات، والابتِزاز الأمريكيّ، التوجّه إلى الشّرق والتّعاون مع الدّول التي أبدَت استِعدادًا لدَرء خطر الجُوع عن لبنان وشعبه ضاربًا مثلًا بالصّين وإيران، وكشَفَ عن استعدادٍ صينيٍّ لبناء خط سكّة حديد مجّانًا من طرابلس في أقصى الشّمال وحتّى النّاقورة في أقصى الجنوب، وإنشاء معامل كهرباء وطاقة.

 

مُشكلة الدكتور جعجع أنّه ينسى، أو يتناسى، أمْرًا أساسيًّا، وهو أنّ الأزمة الماليّة والاقتصاديّة المُتفاقِمَة التي يعيشها لبنان حاليًّا لا تخضع للمعايير نفسها في الدّول الأُخرى، أيّ قوانين العَرض والطّلب، واعتِبارات التضخّم، ونقص العُملات الصّعبة الاحتياطيّة، وإنّما تأتي نتيجة مُؤامرة أمريكيّة تَستهدِف لبنان وسورية، ومِن المُؤسِف أنّ الدكتور جعجع أحد رؤوس الحِربَة فيها، ولعلّ تعثّر المُفاوضات بين لبنان وصندوق النّقد الدولي للحُصول على قرضٍ ماليٍّ لتخفيف الأزمة هو أحد أحدث الأدلّة في هذا الميدان.

 

الأزمة الماليّة، والتّلاعب بسِعر صرف اللّيرة اللبنانيّة، واهتِزاز الثّقة بالدّولة والحُكومة نتيجةً لذلك، والمُظاهرات العنفية التي طالبت، وتُطالب، بنَزع سِلاح المُقاومة تأتي كلّها في إطار الضّغوط من أجل رُضوخ لبنان للشّروط والمطالب الأمريكيّة التي تَقودها السيّدة دوروثي شيا السّفيرة الأمريكيّة في بيروت لإعادَة فتح مِلَف المُفاوضات مع دولة الاحتِلال الإسرائيلي للتوصّل إلى اتّفاقٍ لترسيم الحُدود البريّة والبحريّة، وبِما يُعطِي دولة الاحتِلال هذه الحصّة الأكبَر مِن احتِياطات النّفط والغاز اللبنانيّة.

 

السيّدة شيا زارت يوم أمس الرئيس ميشال عون مسؤول هذا المِلف الأوّل وِفق الدّستور في قصر بعبدا، وجدّدت مطالبها بالعودة إلى مائدة المُفاوضات مُجدَّدًا لأنّ هذه العودة هي الطّريق الأقصَر لمُواجهة الأزمة الماليّة وتخفيف حالة الاحتِقان الاقتصاديّ الرّاهنة.

 

جيمس جيفري مبعوث أمريكا إلى سورية ولبنان تباهى قبل أيّامٍ بأنّ بلاده هي التي تَقِف خلف أزمة انهِيار اللّيرة السوريّة بتطبيقها قانون قيصر، مثلما تباهى رئيسه دونالد ترامب قبله بالوقوف خلف انهِيار اللّيرة التركيّة، الأمر الذي يُؤكِّد أنّ الولايات المتحدة وبسبب هيمنة الدولار على النّظام الماليّ العالميّ، تَستخدِم عُملتها في شنّ الحُروب على العُملات المحليّة، عِندما تفشل عُقوباتها وحِصاراتها، بَل حُروبها العسكريّة في تجويع وتركيع الدّول والشّعوب المُستَهدفة.

 

الحُكومات الخليجيّة عندما تضَع ودائع بالمِليارات في المصرف المركزي اللّبناني لدعم اللّيرة لا تفعل ذلك كَرَمًا وحُسن أخلاقٍ من جانبها، وإنّما بتعليماتٍ أمريكيّةٍ صِرفَة، مثلما هو الحال في مِصر، وتركيا، وباكستان، وحتّى السّلطة الوطنيّة الفِلسطينيّة، ونجزم أنّه بمُجرّد رُضوخ لبنان للضّغوط الأمريكيّة، واستِئناف مُفاوضات ترسيم الحُدود البريّة والبحريّة، وإبداء مُرونة في هذا الصّدد ستختفي الأزمة، وستَسترِد اللّيرة اللبنانيّة عافِيَتها، وستَمتلأ خزائن الصرّافين بالدّولار.

 

السيّد نصر الله عندما يُطالب بالتوجّه شرقًا يعني ما يقول لأنّ إيران وروسيا والصين بدرجةٍ أقل، تقف مع حُلفائها، وإلا لما صمدت سورية تِسع سنوات في مُواجهة أضخم مُؤامرة لتفتيتها في العصر الحديث، ولما أصبح “حزب الله” قوّةً إقليميّةً عُظمى تمتلك قُدرة الرّدع التي حرّرت الأرض اللبنانيّة، وحَمَتْ البِلاد من التّهديدات الإسرائيليّة.

 

إذا كانت السعوديّة ضخّت مِليار دولار كوديعة في المصرف المركزي اللّبناني، فإنّ “حزب الله” وعبر بوّابة الدّعم الإيراني، كان يَضُخ حواليّ 200 مِليون دولار شَهريًّا في الاقتِصاد اللبنانيّ، كرواتب ونفَقات، قبل تشديد العُقوبات الأمريكيّة على طِهران، عَلاوةً على مِليارات الدّولارات سنويًّا من تَحويلاتِ أنصاره، وأبناء الجنوب العامِلين في إفريقيا، ودول المنافي في أوروبا وأمريكا الجنوبيّة.

 

حركة المُقاومة اللبنانيّة كانت تعمل دائمًا على تعزيز الأمن والاستِقرار في لبنان، كُل لبنان، ودون أن تتخلّى عن ثوابتها الوطنيّة، فهل يفعل الدكتور جعجع وحُلفاؤه الشّيء نفسه؟ لدينا الكثير من الشُّكوك في هذا المَيدان.

“رأي اليوم”

مقالات ذات صلة

ارسال التعليق